صديق الحسيني القنوجي البخاري
71
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأن الإقرار باللسان إيمان قالُوا أي أجابوا بأحمق جواب وأبعده عن الحق والصواب أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أي الجهال ، الهمزة للإنكار واللام مشار بها إلى الناس أو للجنس بأسره وهم مندرجون فيه ، نسبوا إلى المؤمنين السفه استهزاء واستخفافا فتسببوا بذلك إلى تسجيل اللّه عليهم بالسفه بأبلغ عبارة وآكد قول وحصر كما قال تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ أي الجهال ، وأصل السفه والسفاهة رقة الحلوم وفساد البصائر وسخافة العقول ، وخفة النهي ، وإنما سمى اللّه المنافقين سفهاء لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء ، ورد أبلغ رد في تجهيلهم . وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ أنهم كذلك إما حقيقة أو مجازا تنزيلا لإصرارهم على السفه منزلة عدم العلم ، وإنما ذكر العلم هنا ، والشعور فيما قبل ، لأنه أكثر طباقا بذكر السفه ، والتمييز بين الحق والباطل يفتقر إلى نظرة وفكرة ، والنفاق يدرك بأدنى تفطن وتأمل من قولهم وفعلهم . عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود . وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي المهاجرين والأنصار ، ومعنى لقيته ولاقيته استقبلته قريبا . قالُوا آمَنَّا كإيمانكم . وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ أي رجعوا إليهم قيل هو من الخلوة وقيل ( إلى ) بمعنى الباء وقيل بمعنى مع وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه ، أو من خلاك ذم أي مضى عنك ، ومنه القرون الخالية أو من خلوت به إذا سخرت منه ، وعدي بإلى لتضمين معنى الإنهاء . والمراد بالشياطين رؤساؤهم وكهنتهم ، وقيل المراد بالشياطين المماثلون منهم للشياطين في التمرد والعناد ، المظهرون لكفرهم أو كبار المنافقين ، والقائلون صغارهم . قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ في الدين والاعتقاد أي إنا مصاحبوكم في دينكم وموافقوكم عليه . إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه بما نظر لهم من الإسلام لنأمن من شرهم ونقف على سرهم ، ونأخذ من غنائمهم ، تأكيد لما قبله أو بدل منه أو استئناف . قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه ، والهزء السخرية واللعب والاستخفاف يقال هزأت واستهزأت بمعنى ، وأصله الخفة وهو القتل السريع ،