صديق الحسيني القنوجي البخاري
58
فتح البيان في مقاصد القرآن
المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره وإن كانت بهدايته شاملة لكل ناظر من مؤمن وكافر ، ولذ أطلقت في قوله : هُدىً لِلنَّاسِ * قاله أبو السعود قال ابن فارس : وأصلها في اللغة قلة الكلام ، وقال في الكشاف المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية الصيانة ، وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك انتهى قال ابن مسعود وهم المؤمنون . وعن معاذ بن جبل أنه قيل له من المتقون ؟ فقال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا للّه العبادة ، وعن أبي هريرة أن رجلا قال له : ما التقوى ؟ قال : هل وجدت طريقا ذا شوك ، قال : نعم ، قال : فكيف صنعت ؟ قال : إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه ، قال : ذلك التقوى ، وعن أبي الدرداء قال تمام التقوى أن يتقي اللّه العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين اللّه وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس » فالمصير إلى ما أفاده هذا الحديث واجب ، ويكون هذا معنى شرعيا للمتقي أخص من المعنى الذي قدمنا عن صاحب الكشاف زاعما أنه المعنى الشرعي . وقد أطال القوم في ذكر تعاريف التقوى ورسوم المتقي لا حاجة لنا إلى التطويل بذكر تلك الأقوال ، فالمرفوع يغني عن المرقوع ، والصباح يغني عن المصباح . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ هو وصف للمتقين كاشف ، وأصل الإيمان في اللغة التصديق ، قال تعالى : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [ يوسف : 17 ] أي بمصدق وتعديته بالباء لتضمنه معنى الاعتراف ، وقد يطلق بمعنى الوثوق وكلا الوجهين حسن هنا ، والغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك . قال القرطبي واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا فقالت فرقة الغيب هو اللّه سبحانه ، وضعفه ابن العربي ، وقال آخرون القضاء والقدر . وقال آخرون القرآن وما فيه من الغيوب وقيل القلب أي يصدقون بقلوبهم ، وقيل الغيب الخفاء ، وقال آخرون الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهدي إليه العقول من أشراط الساعة ، وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار . قال ابن عطية وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها . قال وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبرائيل حين قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره