صديق الحسيني القنوجي البخاري
38
فتح البيان في مقاصد القرآن
على القرائن والمقامات ، قاله الكرخي ، وهذا أمس بالعربية وأقعد في طريقها ، قاله أبو القاسم الزجاجي . قال الخطيب والتقييد بقوله : يَوْمِ الدِّينِ لا ينافي الاستمرار لأنه من غير اعتبار حدوث في أحد الأزمنة انتهى . واليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان ، وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس والمراد هنا مطلق الوقت ، والدين الجزاء خيرا كان أو شرا . ويوم الدين يوم الجزاء من الرب لعباده يقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى ؛ ويدل قوله تعالى : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ [ الانفطار : 17 ] يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] والإضافة هذه على طريق الاتساع لأدنى ملابسة ؛ أي مالك الأمر كله في يوم الجزاء للعباد لأن الأمر فيه للّه وحده ؛ ولذا خص بالذكر ، وعن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب ، وقال قتادة يوم يدين اللّه العباد بأعمالهم وقيل في معنى الدين غير ذلك ، والأولى ما ذكرناه ، وهذه الأوصاف التي أجريت على اللّه من كونه ربا للعالمين موجدا لهم ومنعما بالنعم كلها ومالكا للأمر كله يوم الجزاء بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه ، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له ، وفي هذه الآية إثبات المعاد . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي نخصك بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك ومنك نطلب المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا ، وفي هذه الآية إبطال الجبر والقدر معا كما أشار إليه التغلبي في تفسيره ، و « إيّا » عند سيبويه اسم مضمر والكاف حرف خطاب ولا محل له من الإعراب وهو الأصح وقد ارتضاه القاضي ، وعند الخليل اسم مضمر أضيف « إيّا » إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل والفاعل ، وقال الكوفيون إياك بكمالها اسم ، وجملة الأقوال فيه سبعة عد منها الخفاجي خمسة فقط ، وتقديم المفعول على الفعل لقصد الاختصاص والحصر والقصر ، وقيل للاهتمام ، والصواب أنه لهما ، ولا تزاحم بين المقتضيات . والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل ، والعبودية أدنى منها ، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده ولا تستعمل إلا في الخضوع للّه تعالى ، قال ابن كثير : وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف ، والاستعانة طلب المعونة ، وهي ضرورية وغير ضرورية . والعدول عن الغيبة إلى الخطاب لقصد الالتفاف وتلوين النظم من باب إلى