صديق الحسيني القنوجي البخاري

36

فتح البيان في مقاصد القرآن

وإيثار الرفع على النصب الذي هو الأصل للإيذان بأن ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت ؛ وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث متجدد كما تفيده قراءة النصب . رَبِّ الْعالَمِينَ قال في الصحاح الرب اسم من أسماء اللّه تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك وقال الزمخشري « الرب » المالك كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه قال القرطبي والرب السيد ومنه قوله تعالى : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] وفي الحديث « أن تلد الأمة ربتها » « 1 » والرب المصلح والمدبر والمربي والجابر والقائم قال والرب المعبود . والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه ، وهو اسم لما يعلم به غلب فيما يعلم به الصانع من المصنوعات ، قال أبو السعود وهو الأحق الأظهر أو اسم لكل موجود سوى اللّه تعالى ، قال قتادة فيدخل فيه جميع الخلق ، وهو ظاهر كلام الجوهري ، وقيل أهل كل زمان عالم ، قاله الحسين بن مفضل ، وقال ابن عباس العالمون هم الجن والإنس ، وقيل اسم جمع عالم بالفتح وليس جمعا له لأن العالم عام في العقلاء وغيرهم ، والعالمين مختص بالعقلاء ، والخاص لا يكون جمعا لما هو أعم منه ، قاله ابن مالك وتبعه ابن هشام في توضيحه ، وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع ، وقال الفراء وأبو عبيد : العالم عبارة عما يعقل وهم أربعة أمم الإنس والجن والملائكة والشياطين ، ولا يقال للبهائم عالم لأن هذا الجمع إنما هو جمع ما يعقل ، حكاها القرطبي وذكر أدلتها ، وقال إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق موجود ، دليله قوله تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [ الصافات : 5 ] وقيل عنى به الناس فإن كل واحد منهم عالم ، وفيه بعد . قال الزجاج : العالم كل ما خلقه اللّه تعالى في الدنيا والآخرة وعلى هذا يكون جمعه بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم وعن ابن عباس في الآية قال إله الخلق كله ، السماوات كلهن ومن فيهن والأرضين كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ولا يعلم ، وفيه دليل على أن رب العالمين جرى مجرى الدليل على وجود الإله القديم وبيان لشمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس ، فآثار تربيته عز وجل الفائضة على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آن من آنات الوجود غير متناهية فسبحانه ما أعظم شأنه لا تلاحظه العيون بأنظارها ، ولا تطالعه العقول بأفكارها شأنه لا يضاهى ، وإحسانه لا يتناهى ، ونحن في معرفته حائرون ، وفي إقامة مراسم شكره قاصرون .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 31 ، باب 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 1 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والنسائي في الإيمان باب 5 ، 6 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، والفتن باب 25 ، وأحمد في المسند 1 / 319 .