صديق الحسيني القنوجي البخاري
21
فتح البيان في مقاصد القرآن
اعلم أن الأحاديث في فضائل القرآن كثيرة جدا ولا يتم لصاحب القرآن ما يطلبه من الأجر الموعود به في الأحاديث الصحيحة حتى يفهم معانيه ، فإن ذلك هو الثمرة من قراءته . قال القرطبي ينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن اللّه مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو ، فما أقبح بحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم معنى ما يتلوه ، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه ، وما أقبح به أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه ، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا . وينبغي له أن يعرف المكي من المدني ، ليفرق بين ما خاطب اللّه به عباده في أول الإسلام ، وما ندبهم إليه في آخره وما فرض في أول الإسلام ، وما زاد عليهم من الفرائض في آخره ، فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن انتهى . وقد جمعت في بيان ناسخ القرآن والحديث ومنسوخهما مؤلفا سميته إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ ، وهو بالفارسية . وأجاب الشوكاني رحمه اللّه تعالى عمن سأله عن العوام والنساء الذين يقرؤون القرآن من غير معرفة حلاله وحرامه ومعانيه هل لهم الأجر الوارد من غير نقص أم لا ، فقال : « الأجر على تلاوة القرآن ثابت لكنه إذا كان بتدبر معانيه فأجره مضاعف ، وأما أصل الثواب بمجرد التلاوة فلا شك في حصوله ، واللّه سبحانه لا يضيع عمل عامل منهم انتهى ، فيمكن حمل ما ذكر هنا أولا على مضاعفة الأجر الموعود به لا مجرد الإثابة على نفس التلاوة » . وأما ما جاء عن الصحابة والتابعين في فضل التفسير فعن علي أنه ذكر جابر بن عبد اللّه ووصفه بالعلم وقال : إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [ القصص : 85 ] وقال مجاهد : أحب الخلق إلى اللّه أعلمهم بما أنزل اللّه ، وقال الشعبي : رحل مسروق في تفسير آية إلى البصرة فقيل له إن الذي يفسرها رجل في الشام فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها ، وقال عكرمة : في قوله سبحانه : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 100 ] طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته . قال ابن عبد البر : هو ضميرة بن حبيب ، وقال ابن عباس : مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ما يمنعني إلا مهابته فسألته فقال : هي حفصة وعائشة . وقال إياس بن معاوية : مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره ، كمثل قوم جاءهم كتاب من عند مليكهم ليلا ، وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا