صديق الحسيني القنوجي البخاري

148

فتح البيان في مقاصد القرآن

اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به وأن صاحبكم صادق وقوله حق ، وإنا نجد نعته وصفته في كتابنا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا رؤساء اليهود لاموا منافقي اليهود على ذلك ، وعن عكرمة أنها نزلت في ابن صوريا . قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وذلك أن ناسا من اليهود أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم ، وقيل إن المراد ما فتح اللّه عليهم في التوراة في صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والفتح عند العرب القضاء والحكم والفتاح القاضي بلغة اليمن ، والفتح النصر ، ومن ذلك قوله تعالى : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 89 ] وقوله : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [ الأنفال : 19 ] ومن الأول ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 89 ] وهو خَيْرُ الْفاتِحِينَ [ الأعراف : 89 ] أي الحاكمين ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين وقيل معناه الإنزال ، وقيل الأعلام أو التبيين أو المنّ أي ما منّ به عليكم من نصركم على عدوكم . لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ أي ليخاصمكم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويحتجوا عليكم بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ألا تتبعونه عِنْدَ رَبِّكُمْ في الدنيا والآخرة وقيل عند بمعنى في ، وفيل عند ذكر ربكم والأول أولى ، والمحاجة إبراز الحجة أي لا تخبروهم بما حكم عليكم اللّه به من العذاب فيكون ذلك حجة لهم عليكم فيقولون نحن أكرم على اللّه منكم وأحق بالخير منه ، والحجة الكلام المستقيم ، وحاججت فلانا فحججته أي غلبته بالحجة أَ فَلا تَعْقِلُونَ ما فيه الضرر عليكم من هذا التحديث الواقع منكم لهم ، وهذا من تمام مقولهم . ثم وبخهم اللّه سبحانه فقال : أَ وَلا يَعْلَمُونَ أي اليهود أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ما يخفون وما يبدون ويظهرون من جميع أنواع الأسرار ، وأنواع الإعلان ، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وتحريف الكلم عن مواضعه ، قال ابن عباس هذه الآيات في المنافقين من اليهود ، وقال أبو العالية ما يسرون من كفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتكذيبهم ، وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين آمنا ، وقد قال بمثل هذا جماعة من السلف . وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ أي ومن اليهود ، والأمي منسوب إلى الأمة الأميّة التي هي على أصل ولادتها من أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا تحسن القراءة للمكتوب ، ومنه حديث : « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » « 1 » ، وقال أبو عبيدة إنما قيل لهم أميون لنزول

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 13 ، ومسلم في الصيام حديث 15 ، وأبو داود في الصوم باب 4 ، والنسائي في الصيام باب 17 ، وأحمد في المسند 2 / 43 ، 52 ، 122 ، 129 .