صديق الحسيني القنوجي البخاري

138

فتح البيان في مقاصد القرآن

أومر أن أنقب عن قلوب الناس » « 1 » قال القفال إنه ليس إجبارا على الإسلام لأن الجبر ما سلب الاختيار بل كان إكراها وهو جائز ولا يسلب الاختيار كالمحاربة مع الكفار ؛ فأما قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ البقرة : 256 ] وقوله : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ [ يونس : 99 ] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ؛ ذكره الشهاب . خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي قلنا لهم خذوا ما أعطيناكم بِقُوَّةٍ القوة الجد والاجتهاد وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أي ادرسوا ولا تنسوه ؛ والمراد بذكر ما فيه أن يكون محفوظا عندهم ليعملوا به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي لكي تنجو من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى أو رجاء منكم أن تكونوا متقين . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 64 إلى 66 ] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أصل التولي الإدبار عن الشيء والإعراض بالجسم ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الميثاق أو رفع الطور أو إيتاء التوراة ؛ والمراد هنا إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم من بعد البرهان لهم والترهيب بأشد ما يكون وأعظم ما تجوزه العقول ، وتقدره الأفهام ، وهو رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة عليهم . فَلَوْ لا حرف امتناع لوجود تختص بالجمل الاسمية فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بأن تدارككم بلطفه ؛ والفضل الزيادة والخير والأفضال والإحسان قاله ابن فارس في المجمل وَرَحْمَتُهُ حتى أظهروا التوبة لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ أي المغبونين بذهاب الدنيا والهالكين بالعذاب في العقبى : والخسران النقصان . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ أي عرفتم فيتعدى لواحد فقط والفرق بينهما أن العلم يستدعي معرفة الذات وما هي عليه من الأحوال ، والمعرفة تستدعي معرفة الذات أو الفرق أن المعرفة يسبقها جهل بخلاف العلم ولذلك لا يجوز إطلاقها عليه سبحانه . الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ أي جاوزوا الحد فِي السَّبْتِ يقال سبت اليهود لأنهم يعظمونه ويقطعون فيه أعمالهم ، وأصل السبت في اللغة القطع لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل ، وقيل هو مأخوذ من السبوت وهو الراحة والدعة ، وقال في الكشاف السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت انتهى ، وفيه نظر ، فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 61 ، ومسلم في الزكاة حديث 144 ، وأحمد في المسند 3 / 4 .