صديق الحسيني القنوجي البخاري
13
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم بعد هذه الطبقة الذين صنفوا كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين كسفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ، ويزيد بن هارون ، وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس ، وإسحاق بن راهويه ، وروح بن عبادة ، وعبد اللّه بن حميد ، وأبي بكر بن أبي شيبة وآخرين . ثم بعد هؤلاء طبقة أخرى منهم عبد الرزاق وعلي بن أبي طلحة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وأبو الشيخ ابن حيان وابن المنذر في آخرين . ثم انتصبت طبقة بعدهم إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي ومكي بن أبي طالب وأبي العباس المهدوي ، وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما . ثم ألف في التفسير طائفة من المتأخرين فاختصروا الأسانيد ، ونقلوا الأقوال بتراء ، فدخل من هنا الدخيل ، والتبس الصحيح بالعليل ، ثم صار كل من سنح له قول يورده ، ومن خطر بباله شيء يعتمده ، ثم ينقل ذلك خلف عن سلف ظانا أن له أصلا ، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن هم القدوة في هذا الباب . قال السيوطي رأيت في تفسير قوله سبحانه : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [ الفاتحة : 7 ] نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى ، حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم في ذلك خلافا من المفسرين . ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا في شيء من العلوم ، ومنهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن واقتصر فيه على ما تمهر هو فيه ، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا غير ، مع أن فيه تبيان كل شيء ، فالنحوي تراه ليس له إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة وينقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر ، والإخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة ، ومنهم الثعلبي ، والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعا وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلا ، والجواب عن الأدلة للمخالفين كالقرطبي وصاحب المظهري وصاحب العلوم العقلية خصوصا فخر الدين الرازي قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر العجب ، قال أبو حيان في البحر : جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ، ولذلك قال بعض العلماء : فيه كل شيء إلا التفسير . والمبتدع ليس له إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث أنه لو