صديق الحسيني القنوجي البخاري

128

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل المن العسل وقيل شراب حلو ، وقيل خبز الرقاق ، قاله وهب ، وقيل هو مصدر يعم جميع ما منّ اللّه به على عباده من غير تعب ولا زرع ، ومنه ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث سعيد بن زيد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الكمأة من المن الذي أنزل على موسى » « 1 » ، وقد ثبت مثله من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي . ومن حديث جابر وأبي سعيد وابن عباس عند النسائي ، وقد قالوا يا موسى قد قتلنا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم ، فأرسل اللّه عليهم السلوى ، قيل هو السماني كحبارى طائر يذبحونه فيأكلونه يبعثهما عليهم الجنوب ، قال ابن عطية السلوى طائر بإجماع المفسرين ، قال القرطبي ما ادعاه من الإجماع لا يصح ، وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير أنه العسل ، وبه قال الجوهري : وقال ابن يحيى السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد فيلهمه اللّه تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض ، قال الأخفش السلوى لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته ، وقال الخليل واحده سلواة ، وقال الكسائي السلوى واحدة وجمعه سلاوى ، وقيل هو السماني بعينه فكان الرجل يأخذ ما يكفيه يوما وليلة فإذا كان يوم الجمعة يأخذ ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت شيء . كُلُوا أي وقلنا لهم كلوا مِنْ طَيِّباتِ أي حلالات أو مستلذات ما رَزَقْناكُمْ ولا تدخروا لغد ، استدل به على أن الضيف لا يملك ما قدم له وأنه لا يتصرف إلا بإذن وَما ظَلَمُونا أي وما بخسوا حقنا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بأخذهم أكثر مما حد لهم فاستحقوا بذلك عذابي ، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة ولا تعب في الدنيا ، ولا حساب في العقبى ، فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر ، وتقديم الأنفس يفيد الاختصاص ، وفيه ضرب تهكم بهم ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر . وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ سميت قرية لاجتماع الناس فيها وقد يطلق عليهم مجازا وقوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] يحتمل الوجهين مشتقة من قريت أي جمعت لجمعها لأهلها تقول قريت الماء في الحوض أي جمعته واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف ، قال جمهور المفسرين القرية هي بيت المقدس وبه قال مجاهد ،

--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين » ، أخرجه البخاري في تفسير سورة 2 ، باب 4 ، وسورة 7 ، باب 2 ، والطب باب 20 ، ومسلم في الأشربة حديث 158 ، 159 ، 162 ، والترمذي في الطب باب 22 ، وابن ماجة في الطب باب 8 ، وأحمد في المسند 1 / 187 ، 188 ، 2 / 301 ، 305 ، 325 ، 356 ، 357 ، 421 ، 488 ، 490 ، 511 ، 3 / 48 .