صديق الحسيني القنوجي البخاري

126

فتح البيان في مقاصد القرآن

التفصيل ، وهذا من كلام اللّه تعالى خاطبهم به على طريق الالتفات من التكلم الذي يقتضيه السياق إلى الغيبة وقيل إنه من جملة كلام موسى لقومه ، والأول أولى إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ أي الرجاع بالمغفرة القابل للتوبة البالغ في قبولها منهم الرَّحِيمُ بخلقه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 55 إلى 56 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لا نصدقك . بأن ما نسمعه كلام اللّه حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً أي عيانا ، ظاهر السياق أن القائلين بهذه المقالة هم قوم موسى ، قيل هم السبعون الذين اختارهم ممن لم يعبدوا العجل وذلك أنهم لما سمعوا كلام اللّه ، قالوا له بعد ذلك هذه المقالة معتذرين عن عبادة أصحابهم العجل ، فخرج بهم موسى ، وقيل عشرة آلاف من قومه والمؤمن به ، والجهرة استعيرت للمعاينة وأصلها الظهور فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل ، قيل هي الموت وفيه ضعف ، وقيل سبب الموت ، واختلفوا في ذلك السبب فقيل إن نارا نزلت من السماء فأحرقتهم وقيل جاءت صيحة من السماء وقيل أرسل جموعا من الملائكة فسمعوا بحسهم فخروا صعقين ميتين يوما وليلة ، والأول أولى ، والمراد بأخذ الصاعقة إصابتها إياهم وسيأتي في الأعراف أنهم ماتوا بالرجفة أي الزلزلة ، ويمكن الجمع بأنه حصل لهم الجميع ، وقيل المراد بالصاعقة الموت ، واستدل عليه بقوله الآتي : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ولا موجب للمصير إلى هذا التفسير لأن المصعوق قد يموت كما في هذه الآية وقد يغشى عليه ثم يفيق كما في قوله تعالى : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ [ الأعراف : 143 ] ومما يوجب بعد ذلك قوله . وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فإنها لو كانت الصاعقة عبارة عن الموت لم يكن لهذه الجملة كثير معنى ، بل قد يقال إنه لا يصح أن ينظروا الموت النازل بهم إلا أن يكون المراد نظر الأسباب المؤثرة للموت ، قيل إنهم نظروا أوائل الصاعقة النازلة بهم الواقعة عليهم لا آخرها الذي ماتوا عنده ، والمعنى ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت وكيف يحيا ، وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذن به اللّه من رؤيته في الدنيا . ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ المراد بذلك الإحياء لهم لوقوعه بعد الموت فبعثوا بعد الموت ليستوفوا آجالهم ، قاله أنس ، ولو أنهم قد ماتوا لانقضاء آجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة ، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله وقد تكون عن إغماء ونوم ، ولهذا قيد البعث بالموت . وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة ، وذهب من