صديق الحسيني القنوجي البخاري

118

فتح البيان في مقاصد القرآن

إلى الصلاة وإن كان المتقدم هو الصبر والصلاة فقد يجوز إرجاع الضمير إلى أحد الأمرين المتقدم ذكرهما ، كما قال تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] إذا كان أحدهما داخلا تحت الآخر بوجه من الوجوه ، وقيل إنه عائد إلى الصلاة من دون اعتبار دخول الصبر تحتها لأن الصبر هو عليها كما قيل سابقا ، وقيل إن الضمير راجع إلى الصلاة وإن كان الصبر مرادا منها لكن لما كانت آكد وأعم تكليفا وأكثر ثوابا كانت الكناية بالضمير عنها ، ومنه قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] كذا قيل ، وقيل إن الضمير راجع إلى الأشياء المكنوزة ومثل ذلك قوله : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] رجع الضمير هنا إلى الفضة والتجارة لما كانت أعم نفعا وأكثر وجودا والتجارة هي الحاملة على الانفضاض . والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول الصبر هناك جعل داخلا تحت الصلاة وهنا لم يكن داخلا وإن كان مرادا ، وقيل إن المراد الصبر والصلاة ولكن ارجع الضمير إلى أحدهما استغناء به عن الآخر ، ومنه قوله تعالى : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [ المؤمنون : 50 ] أي ابن مريم آية وأمه آية ، وقيل رجع الضمير إليهما بعد تأويلهما بالعبادة ، وقيل رجع إلى المصدر المفهوم من قوله : وَاسْتَعِينُوا وهو الاستعانة وقيل رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو إسرائيل ، والأول هو الظاهر الجاري على قاعدة كون الضمير للأقرب ، والكبيرة التي يكبر أمرها ويتعاظم شأنها على حاملها لما يجده عند تحملها والقيام بها من المشقة ومنه كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشورى : 13 ] . إِلَّا استثناء مفرغ وشرطه أن يسبق بنفي فيؤول الكلام هنا بالنفي أي أنها لا تخف ولا تسهل إلا . عَلَى الْخاشِعِينَ يعني المؤمنين ، وقيل الخائقين ، وقيل المطيعين المتواضعين للّه ، والخاشع هو المتواضع ، قال في الكشاف الخشوع هو الإخبات والتطامن ، فاللين والانقياد انتهى . وقال الزجاج الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه ، وخشعت الأصوات أي سكنت ، وخشع ببصره إذا غضه ، وقال سفيان الثوري : سألت الأعمش عن الخشوع فقال يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ، ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطىء الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء ، وتخشع للّه في . وأما الخضوع كل فرض افترض عليك انتهى . وما أحسن ما قاله بعض المحققين في بيان ماهيته أنه هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع ، واستثنى سبحانه الخاشعين مع كونهم باعتبار استعمال