صديق الحسيني القنوجي البخاري
110
فتح البيان في مقاصد القرآن
فإن بعض المملكة يكون عزيزا وبعضها يكون ذليلا ، وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول . وأنها تزيل جميع الممالك ، وسلطانها يبطل جميع السلاطين ، وتقوم هي إلى الدهر ، فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف ، واللّه أعلم بما يكون في آخر الزمان . فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ذكره الرازي ، وقال الزجاج المراد بالعهد ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل هو أداء الفرائض ، وقيل أراد جميع ما أمر اللّه به من غير تخصيص ببعض التكليف دون بعض ، ولا مانع من حمله على جميع ذلك . أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أي بما ضمنت لكم من الجزاء ، وقيل بالقبول والثواب عليه بدخول الجنة وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي فخافون في نقضكم العهد ، والرهب والرهبة الخوف ، ويتضمن الأمر به معنى التهديد ، وتقديم معمول الفعل يفيد الاختصاص ، قال صاحب الكشاف وهو آكد في إفادة التخصيص من إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] والفاء جواب أمر مقدر أي تنبهوا فارهبون ، أو زائدة وسقطت الياء من قوله : فَارْهَبُونِ لأنه رأس آية . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 41 إلى 42 ] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي لما في التوراة من التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ المراد أهل الكتاب لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء وما يلزم من التصديق ، أي لا تكونوا يا معشر اليهود أول كافر بهذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع كونكم قد وجدتموه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل ، مبشرا به في الكتب المنزلة عليكم . وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الموضع ما وقف عليه من البشارات برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الكتب السابقة ، وقيل الضمير في « به » عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله بِما أَنْزَلْتُ وقيل عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله لما معكم ، والخطاب لجماعة ، والكافر لفظه واحد وهو في معنى الجمع أي أول الكفار أو أول فريق كافر ، ومفهوم الصفة غير مراد هنا فلا يرد أن المعنى بل آخر كافر ، وإنما ذكرت الأولية لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر ، بل يجب أن تكونوا أول فريق مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه وصفاته . وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تستبدلوا ببيان صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم التي في