الغزالي

191

إحياء علوم الدين

الأصل الثامن أن علمه قديم ، فلم يزل عالما بذاته وصفاته ، وما يحدثه من مخلوقاته ، ومهما حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها ، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي ، إذ لو خلق لنا علم بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك علم تقديرا حتى طلعت الشمس لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك العلم من غير تجدد علم آخر . فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى الأصل التاسع أن إرادته قديمة ، وهي في القدم تعلقت بإحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي ، إذ لو كانت حادثة لصار محل الحوادث ، ولو حدثت في غير ذاته لم يكن هو مريدا لها ، كما لا تكون أنت متحركا بحركة ليست في ذاتك ، وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها إلى إرادة أخرى ، وكذلك الإرادة الأخرى تفتقر إلى أخرى ، ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية . ولو جاز أن يحدث إرادة بغير إرادة لجاز أن يحدث العالم بغير إرادة الأصل العاشر أن الله تعالى عالم بعلم ، حي بحياة ، قادر بقدرة ، ومريد بإرادة ، ومتكلم بكلام ، وسميع بسمع ، وبصير ببصر . وله هذه الأوصاف من هذه الصفات القديمة . وقول القائل : عالم بلا علم ، كقوله : غنىّ بلا مال وعلم بلا عالم وعالم بلا معلوم ، فان العلم والمعلوم والعالم متلازمة كالقتل والمقتول والقاتل . وكما لا يتصوّر قاتل بلا قتل ولا قتيل ولا يتصوّر قتيل بلا قاتل ولا قتل ، كذلك لا يتصوّر عالم بلا علم ، ولا علم بلا معلوم ، ولا معلوم بلا عالم . بل هذه الثلاثة متلازمة في العقل لا ينفك بعض منها عن البعض : فمن جوز انفكاك العالم عن العلم فليجوّز انفكاكه عن المعلوم ، وانفكاك العلم عن العالم إذ لا فرق بين هذه الأوصاف ( تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الركن الثالث من أركان الإيمان )