الشيخ محمد النهاوندي
93
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
لغيره ، ليتحمّل عنه وزره وعذاب الآخرة وَأَكْدى وبخل بإعطاء باقي ما شرط إعطاءه فخالف حكم العقل ؛ لأنّه أعطى ليحمل الوزر ، وهو لا يحصل له ، وخالف العرف لأنّه خالف عهده . ذكر طعن في عثمان وردّ الفخر الرازي حكى الفخر الرازي عن بعض المفسرين : أنّها نزلت في الوليد بن المغيرة ، قالوا : إنّه جلس عند النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وسمع وعظة ، فأثّرت الحكمة فيه تأثيرا قويا ، فقال له رجل : لم تترك دين آبائك ؟ ثمّ قال له : لا تخف أعطني كذا وأنا أتحمّل أوزارك ، فأعطاه بعض ما التزمه ، وتولّى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي صلّى اللّه عليه وآله . ثمّ قال الفخر : وقال بعض المفسرين : نزلت في عثمان ، كان يعطي من ماله عطاء كثيرا ، فقال له أخوه من امّه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح : يوشك أن يفنى مالك ، فأمسك . فقال عثمان : إنّ لي ذنوبا أرجو أن تغفر لي بسبب العطاء فقال له أخوه : أنا اتحمّل عنك ذنوبك على أن تعطيني ناقتك مع كذا . فأعطاه ما طلب ، وأمسك يده عن العطاء ، فنزلت . ثمّ قال الفخر : وهذا قول باطل ؛ لأنّه لم يتواتر ذلك ، ولا اشتهر ، وظاهر حال عثمان يأبى ذلك « 1 » . أقول : ظاهر حال عثمان من شدّة حماقته مؤيد لصدق الرواية ، لوضوح أنّ عثمان كان أشدّ حمقا من الوليد بن المغيرة الذي كان عند قريش مشهورا بالعقل والرّزانة والفطنة ، فكيف يقبل هذا العمل من الوليد ، ولا يقبل من عثمان مع صدور ما هو أقبح منه ، حيث إنّ السّدّي الذي كان من قدماء المفسرين وعظمائهم روى في تفسير قوله تعالى : وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إلى آخر الآيات أنّه نزلت في عثمان بن عفان ، قال : لمّا فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بني النّضير ، فقسّم أموالهم ، فقال عثمان لعلي : إئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واسأله أرض كذا وكذا ، فانّ أعطاكها فأشركني فيها ، وأنا آتيه وأساله ، فأنت شريكي فيها ، فسأله عثمان أولا فأعطاه إياها ، فقال علي عليه السّلام : « أشركني » فأبى عثمان ، فقال : بيني وبينك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فأبى أن يخاصمه إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فقيل له : لم لا تنطلق معه إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ؟ فقال : هو ابن عمّه ، فأخاف أن يقضي له ، فنزلت وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الخبر « 2 » . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 35 إلى 42 ] أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 )
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 11 . ( 2 ) . والآيتان من سورة النور : 24 / 47 و 48 .