الشيخ محمد النهاوندي

88

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في غاية النقص والحقارة ، وكون اللّه تعالى في نهاية الكمال والعظمة قِسْمَةٌ ضِيزى وجائرة ، حيث إنّ العقل حاكم بأنّ اللّه لا يلد ، وعلى فرض الولادة لا يختار لنفسه إلّا الولد الكامل إِنْ الالفاظ التي تديرونها على ألسنتكم من قولكم : إنّ الملائكة بنات اللّه وشفعاؤكم ، وإنّ الأصنام آلهة ، وما هِيَ في الواقع والحقيقة إِلَّا أَسْماءٌ لا مسمّيات لها ، والألفاظ لا معنى تحتها سَمَّيْتُمُوها ووضعتموها أَنْتُمْ تقليدا لآبائكم ، وَ وضعها آباؤُكُمْ تبعا لكبرائهم ، والحال أنّه ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ وحجة وبرهان تتمسكون به وتعتمدون عليه . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 23 إلى 26 ] إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 ) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ( 24 ) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ( 25 ) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 ) ثمّ أعرض سبحانه عنهم إيذانا بسقوطهم عن قابلية الخطاب بسفههم ، ووجّه الخطاب إلى العقلاء بقوله : إِنْ يَتَّبِعُونَ هؤلاء السّفهاء في تسمية الملائكة الذين هم عباد اللّه المكرمون بنات اللّه ، واللات والعزّى ومناة اللاتي كلّهن عجزة وغير شاعرات بالآلهة إِلَّا الظَّنَّ السيء والحسبان الباطل وَما تَهْوَى وتشتهي الْأَنْفُسُ الأمّارة بالسوء وَ الحال أنّه باللّه لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ جانب رَبِّهِمُ اللطيف بهم الْهُدى وأسباب الرّشاد إلى الحقّ من رسول عليم كريم وكتاب حكيم ، وهم لكثرة جهلهم وعنادهم كذبوهما واستهزءوا بهما . ثمّ أنكر سبحانه عليهم اتّباع الهوى واشتهاء الأنفس بقوله : أَمْ لِلْإِنْسانِ وهل له ما تَمَنَّى وتشتهيه من القول بأنّ الملائكة بنات اللّه والشفعاء عنده ، وأنّ الأصنام آلهة ، لا واللّه لا يحصل لهم ما يشتهونه . ويحتمل أن لا تكون كلمة ( أم ) منقطعة ، بل متّصلة ، والمعنى : اللّه القادر على كلّ شيء ما أراد ، أم للانسان العاجز عن كلّ ما يشتهيه ، فإذا كانوا متّبعين لهواهم وظنونهم فَلِلَّهِ وحده الدار الْآخِرَةُ وَالْأُولى يعاقبهم فيهما على مخالفتهم للّه . قيل : إنّ الآية بيان العلّة لانتفاء أن يكون للانسان ما تمنّاه « 1 » ، والمعنى : ليس للانسان ما تمنّاه ، لاختصاص أمور العالمين به ، فيعطي من أيّهما ما يريد لمن يريد ، وليس لأحد أن يحكم عليه في شيء منهما .

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 159 ، تفسير الصافي 9 : 236 .