الشيخ محمد النهاوندي

66

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ يقول لهم خازن النار تقريعا وتوبيخا : هذِهِ النَّارُ التي تصلونها هي النار الَّتِي كُنْتُمْ في الدنيا بالنبي الذي كان يهدّدكم بِها تُكَذِّبُونَ وتستهزؤن ، وكنتم تنسبون القرآن الناطق به إلى السّحر أَ فَسِحْرٌ هذا الذي ترون أَمْ أَنْتُمْ عمي لا تُبْصِرُونَ النار التي وعدتم بها ، كما كنتم في الدنيا عميا عن معجزات الرسول وآيات التوحيد والمعاد . فلمّا ثبت أنها نار في الواقع ولا خلل في أبصاركم ، ذوقوا حرّها وألمها اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أيّها المكذّبون على النار وشدائدها أَوْ لا تَصْبِرُوا لا خلاص لكم منها أبدا سَواءٌ عَلَيْكُمْ الأمران الصبر والجزع ، لا الصبر ينجيكم منها ، ولا الجزع يدفعها عنكم . واعلموا أنّ تعذيبكم بها ليس ظلما عليكم ، بل هو ما اخترتم لأنفسكم بأعمالكم إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ في الدنيا تَعْمَلُونَ وترتكبون من الكفر والعصيان ، بلا زيادة ولا نقصان . ثمّ إنّه تعالى بعد بيان سوء حال الكفار المكذّبين للآيات في الآخرة ، بيّن حسن حال [ المتقين بقوله : إِنَّ ] الْمُتَّقِينَ من الكفر والعصيان ، والمصدّقين بالرسول والمعاد ، يومئذ طوبى لهم ، فانّهم حين ابتلاء الكفّار بعذاب النار في جهنّم ، متمكّنون فِي جَنَّاتٍ وَ بساتين عديدة ، ومستغرقون في نَعِيمٍ دائم لا نهاية له حال كونهم فاكِهِينَ ومتلذّذين بِما آتاهُمْ وأعطاهم رَبُّهُمْ اللطيف بهم من خزائن رحمته ، ومسرورين به ، وَ بأنّه وَقاهُمْ وحفظهم رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ والاحتراق بالنار الجاحمة « 1 » . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 19 إلى 20 ] كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) ثمّ يقول له خازن الجنة أو خالقها إذنا وإباحة وإكراما لهم : كُلُوا أيّها المؤمنون المتّقون من أيّ مأكول اشتهيتم وَاشْرَبُوا من أيّ مشروب أحببتم ، أكلا وشربا هَنِيئاً سائغا لا تكدير فيه من التّخم والسّقم والمرض والنّكب وخوف الانقطاع بِما كُنْتُمْ في الدنيا تَعْمَلُونَ من الايمان والأعمال الصالحة وترك المشتهيات المحرّمة ، فان اللّه لا يضيع أجر المحسنين ، ويكون أكلهم وشربهم حال كونهم مُتَّكِئِينَ ومستندين كالسلاطين على نمارق ووسائد موضوعة عَلى سُرُرٍ وعروش متعدّدة مَصْفُوفَةٍ ومصطفّة متصلة بعضها ببعض . قيل : طول كلّ سرير في السماء

--> ( 1 ) . النار الجاحمة : الشديدة الحرّ ، وفي النسخة : الماحجة .