الشيخ محمد النهاوندي
6
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وعن البراء أنّه خطبنا النبي صلّى اللّه عليه وآله يوم النحر ، فقال : « إنّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي ثمّ نرجع وننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنّتنا ، ومن ذبح قبل أن نصلّي فانّما هو لحم عجّله لأهله ، ليس من النّسك في شيء » « 1 » . وعن عائشة : أنّها نزلت في النهي عن صوم يوم الشكّ ، والمعنى لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم « 2 » . وعن الحسن : لمّا استقرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالمدينة ، أتته الوفود من الآفاق ، فأكثروا عليه بالمسائل ، فنهوا عن أن يبتدؤا بالمسألة حتى يكون النبي صلّى اللّه عليه وآله هو المبتدئ « 3 » ، والظاهر والاعتبار مقتضي لأن يكون النهي عن كلّ ما يقدّم عليه سواء كان بالقول أو بالفعل ، كالأكل والمشي وغيرهما . كرّر النداء بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ازديادا لاظهار اللّطف بهم والاهتمام بالمنادى له واستقلاله لا تَرْفَعُوا ولا تعلوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ في تكلّمكم عنده تعظيما له وتأدّبا منه . روى بعض العامة عن عبد اللّه بن الزبير : أنّ الأقرع بن حابس من بني تميم ، قدم على النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، استعمله على قومه . فقال عمر : لا نستعمله يا رسول اللّه ، بل استعمل القعقاع بن معبد . فتكلّما عند النبي صلّى اللّه عليه وآله حتى ارتفعت أصواتهما ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلّا خلافي . فقال عمر : ما أردت خلافك . فنزلت الآية ، فكان عمر بعد ذلك إذا تكلّم عند النبي صلّى اللّه عليه وآله لا يسمع كلامه حتى يستفهمه ، وقال أبو بكر : آليت على نفسي أن لا اكلّم النبي صلّى اللّه عليه وآله إلّا سرّا « 4 » . أقول : العجب من العامة القائلين بأفضلية الرجلين على أمير المؤمنين عليه السّلام ، وروايتهم عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « ما طلعت شمس ، وما غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين خير - أو أفضل - من أبي بكر » « 5 » مع أنّهم رووا نزول كثير من الآيات في ردع الرجلين عن زلاتهما ، ولم يرو نزول آية في ردع أمير المؤمنين عليه السّلام عن زلّة ، بل ما نزلت آية فيه إلّا وفيها مدحة وبيان فضله . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 2 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) ثمّ إنّه تعالى بعد النهي عن تعلية الصوت على صوت النبي صلّى اللّه عليه وآله حين مكاملته ، نهى عن تسوية الصوت في الجهر لصوته بقوله : وَلا تَجْهَرُوا أيّها المؤمنون بالنبي صلّى اللّه عليه وآله لَهُ بصوتكم
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 62 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 62 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 62 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 63 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 62 .