الشيخ محمد النهاوندي
54
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للعذاب « 1 » ، فلمّا أحسّوا بخوفه قالُوا يا إبراهيم لا تَخَفْ من شرّنا وضرّنا ، إنّا رسل ربّك . قيل : مسح جبرئيل العجل بجناحه فقام يمشى حتى لحق بامّه ، فعرفهم وأمن منهم « 2 » . وَبَشَّرُوهُ تطييبا لقلبه بِغُلامٍ وولد ذكر عَلِيمٍ من سارة عقيمة لم تلد له فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة على أهلها لمّا سمعت البشارة ، وهي فِي صَرَّةٍ وصيحة تقول : يا ويلتا . وعن الصادق عليه السّلام : « في جماعة « 3 » من نسائها » فَصَكَّتْ ولطمت وَجْهَها تعجّبا من قولهم ، كما هو عادة النساء إذا أنكرن وتعجّبن من شيء وَقالَتْ استبعادا لما بشّرت به بحكم العادة : كيف ألد الآن وأنا عَجُوزٌ قد بلغت من العمر تسعا وتسعين سنة ، على ما قيل « 4 » : عَقِيمٌ لم ألد مدّة عمري قطّ ؟ فأجابها الملائكة و قالُوا لها ردعا لها عن الاستبعاد والتعجّب : ما قلنا ذلك من قبل أنفسنا ، بل كَذلِكَ الذي بشّرناك قالَ رَبُّكِ الذي خلقك بقدرته ، وبلّغك برحمته إلى المرتبة العالية من الكمالات الجسمانية والروحانية ، ونحن أخبرناك بما قال إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في فعاله الْعَلِيمُ بأحوال عباده ، فلا محالة يكون حقا ، وفعله محكما ، فليس لك أن تقولي : لم يعطيني الولد في شبابي ، وبشّرني به في زمان كبري وعجزي . روي أنّ جبرئيل قال لها : انظري إلى سقف بيتك ، فنظرت فإذا جذوعة مورقة ومثمرة ، فأيقنت « 5 » . قيل : لمّا عرف إبراهيم الرسل وأنس بهم ، استعجلوا في الخروج من عنده قالَ لهم : فَما خَطْبُكُمْ وأي الأمر العظيم عجّل بكم بعد هذا الانس « 6 » أَيُّهَا الملائكة الْمُرْسَلُونَ لبشارتي ؟ قالُوا ما أرسلنا لبشارتك فقط ، بل إِنَّا أُرْسِلْنا من جانب ربّك إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ومصرّين على الكفر والطّغيان ، وهم قوم لوط لِنُرْسِلَ ونمطر عَلَيْهِمْ من السماء حِجارَةً مخلوقة مِنْ طِينٍ متحجّر مطبوخ بنار جهنّم ، على ما قيل « 7 » ، فلا يتوهّم أنّها من برد ، كما قيل « 8 » إنّ الحجارة قد تطلق عليه ، وتلك الحجارة تكون مُسَوَّمَةً ومعلّمة كلّ واحدة منها باسم من يقتل بها ، أو المراد مخلوقة لتعذيبهم عِنْدَ رَبِّكَ وبقدرته ، لا للانتفاع بها كسائر الأحجار ، أو مرسلة في علم اللّه لِلْمُسْرِفِينَ ولإهلاك المجاوزين عن الحدّ في الفجور .
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 140 ، تفسير روح البيان 9 : 162 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 140 ، تفسير روح البيان 9 : 162 . ( 3 ) . مجمع البيان 9 : 238 ، تفسير الصافي 5 : 71 ، تفسير القمي 2 : 330 ، لم ينسبه إلى أحد . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 163 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 8 : 140 ، تفسير روح البيان 9 : 163 . ( 6 ) . تفسير الرازي 28 : 216 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 164 . ( 8 ) . تفسير الرازي 28 : 217 ، تفسير روح البيان 9 : 164 .