الشيخ محمد النهاوندي

539

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ « 1 » وأنزل عليه إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ جعل اللّه ليلة القدر لنبيه صلّى اللّه عليه وآله خيرا من ألف شهر ملك بني أمية » « 2 » . ذكر اشكال بعض العامة وردّه ثمّ اعلم أنّه طعن بعض العامة في تلك الروايات بأنّ أيام ملك بني أمية كانت مذمومة ، فكيف يبيّن اللّه تعالى فضل تلك الليلة بكونها خيرا من الشهور المذمومة « 3 » ؟ وردّه بعضهم بأنّ أيام ملكهم كانت أياما عظيمة بحسب السعادات الدنيوية ، فيكون المراد أنّ ليلة القدر بحسب السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية ، كقوله : لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ « 4 » . الكفار من الأموال والزخارف الدنيوية « 5 » . والأولى في دفعه أن نقول : إنّ اللّه صلّى نبيه صلّى اللّه عليه وآله ببشارة تزول غمّه ، فانّه صلّى اللّه عليه وآله اغتمّ بسلطنة بني أمية وإضلالهم الناس عن الصراط ، فسرّ اللّه قلبه الشريف بالبشارة بأفضلية عبادة تلك الليلة لامّته من عبادة تلك المدّة ، كما يسلّى من تلفت أمواله ببشارته برجوع ولده من سفر خطير سالما غانما . [ سورة القدر ( 97 ) : آية 4 ] تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) ثمّ إنّه تعالى بعد بيان علوّ قدر تلك الليلة ذاتا ، بيّن ما استتبع ذلك الشرف وعلوّ القدر من الفضل بقوله : تَنَزَّلُ وتهبط الْمَلائِكَةُ المقرّبون كلّهم فوجا إلى الأرض ، أو إلى السماء الدنيا ، ليروا عبادة أهل الأرض واجتهادهم فيها ، ويسلّموا عليهم ويزوروهم ويصافحوا معهم . روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « أنّهم ينزلون ليسلّموا علينا ، وليشفعوا لنا ، فمن أصابته التسليمه غفر له ذنبه » « 6 » أو ليزيد فضل عباده المؤمنين بحضورهم . وَ ينزل الرُّوحُ القدس ، وهو جبرئيل ، وإفراده بالذكر مع كونه من الملائكة لتعظيمه . عن كعب : أنّ في سورة المنتهى ملائكة لا يعلم عددهم إلّا اللّه تعالى ، يعبدون اللّه ، ومقام جبرئيل في وسطها ، ليس فيها ملك إلّا وقد اعطى الرّأفة والرحمة للمؤمنين ، ينزلون مع جبرئيل ليلة القدر ، فلا تبقى بقعة من الأرض إلّا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات ، أحدا إلا صافحه ، وعلامة ذلك من اقشعرّ جلده ورقّ قلبه ودمعت عيناه ، فانّ ذلك من مصافحة جبرئيل .

--> ( 1 ) . الشعراء : 26 / 205 - 207 . ( 2 ) . الكافي 4 : 159 / 10 ، تفسير الصافي 5 : 351 . ( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 31 . ( 4 ) . آل عمران : 3 / 157 . ( 5 ) . تفسير الرازي 32 : 31 . ( 6 ) . تفسير الرازي 32 : 33 .