الشيخ محمد النهاوندي
537
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أقول : ظاهر الرواية وقوع جميع التقديرات الكائنة في العالم إلى يوم القيامة في أول ليلة من ليالي القدر ، وهذا غير المعني المروي عن ابن عباس ، ولا منافاة بينهما . وقيل : إنّ القدر هنا بمعنى الشرف ، ومعنى ليلة القدر أنّها ليلة يحصل لمن أحياها وقصد فيها الشرف والمنزلة عند اللّه « 1 » . وقيل : لأنّه نزل فيها كتاب ذو قدر ، على لسان ملك ذي قدر ، لأنّه لها قدر « 2 » . وعن الخليل : القدر هنا بمعنى الضيق ، وإنّما سمّيت الليلة ليلة القدر لأنّ الأرض تضيق فيها بالملائكة « 3 » . وأمّا دلالة الآية على عظمة القرآن ، فلاسناد إنزاله إلى ذاته المعبّر عنها بنون العظمة المستلزم لعظمة ما أنزله ، ولارجاع الضمير إليه من غير سبق ذكره الدالّ على غاية اشتهاره وتميّزه من الكتب المنزلة ، ولتعظيم وقت نزوله وهو ليلة القدر بقوله : وَما أَدْراكَ وأيّ شيء أعلمك يا محمد ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ في علوّ القدر والشرف ، فانّ العلم بها خارج عن طرق البشر إلّا بالوحي من اللّه العالم بكنه الأشياء وحقائقها . [ سورة القدر ( 97 ) : آية 3 ] لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) ثمّ بيّن سبحانه فضيلة العبادة فيها بقوله : لَيْلَةُ الْقَدْرِ والعبادة فيها خَيْرٌ وأفضل مِنْ العبادة في أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها ليلة القدر في الحديث العامي : « من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر » « 4 » . قيل : إنّ لفظ ألف كناية عن الكثير ، ولم يرد حقيقتها « 5 » . وقيل : إنّ في الأمم السابقة لا يقال لرجل : إنّه عابد ، حتّى يعبد اللّه ألف شهر ، فأعطى اللّه هذه الامّة ليلة من أحياها من المؤمنين كان أعبد من أولئك العبّاد « 6 » . وقيل كان ملك سليمان خمسمائة شهر ، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر ، فجعل اللّه العمل في هذه الليلة خير من ملكهما « 7 » .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 32 : 28 ، تفسير روح البيان 10 : 482 . ( 2 ) . تفسير الرازي 32 : 28 ، تفسير روح البيان 10 : 482 . ( 3 ) . تفسير الرازي 2 : 28 ، ولم ينسبه إلى أحد ، تفسير الرازي 10 : 482 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 480 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 483 . ( 6 ) . تفسير أبي السعود 9 : 182 ، تفسير روح البيان 10 : 483 . ( 7 ) . تفسير أبي السعود 9 : 183 ، تفسير روح البيان 10 : 483 .