الشيخ محمد النهاوندي

495

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

عداوة محمد مالًا لُبَداً وكثيرا . عن الصادق عليه السّلام : « قال عمرو بن عبدودّ حين عرض عليه علي بن أبي طالب عليه السّلام الإسلام يوم الخندق : فأين ما أنفقت فيكم من مال لبد ؟ وكان أنفق مالا في الصدّ عن سبيل اللّه ، فقتله علي عليه السّلام » « 1 » . ثمّ وبّخه سبحانه على إنفاقه وهدّده بقوله : أَ يَحْسَبُ هذا الكافر المباهي بإنفاقه أَنْ لَمْ يَرَهُ حين إنفاقه الشنيع أَحَدٌ بلى إنّ اللّه رآه وساءله يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه . وقيل : إنّه كان كاذبا لم ينفق شيئا ، فقال اللّه تعالى : أيظنّ هذا الكافر أنّ اللّه ما رأى ذلك منه ، فعل أو لم يفعل ، أنفق أم لم ينفق . بلى رآه وعلم منه خلاف ما قال « 2 » . [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 8 إلى 16 ] أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثمّ لمّا حكى سبحانه إنكار الكافر قدرة اللّه عليه ورؤيته إياه ، أقام الدليل عليها بقوله : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ بقدرتنا عَيْنَيْنِ يبصر بهما ويرى ، فكيف يمكن أن يكون معطي الرؤية فاقدا لها ولا يراه ؟ وَ ألم نجعل له لِساناً وَشَفَتَيْنِ ينطق بها ، فكيف ينبغي أن يتكلّم بها الكلمات الشنيعة غير المرضية لمعطيها ؟ وَهَدَيْناهُ بعد اتمام النعمة عليه بتكميل خلقه وقواه النَّجْدَيْنِ والطريقين الواضحين إلى خيره وشرّه . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « سبل الخير ، وسبل الشرّ » « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام : « نجد الخير والشّر » « 4 » . فَلَا اقْتَحَمَ وما دخل شكرا لتلك النّعم الجليلة الْعَقَبَةَ والأعمال الصالحة التي هي الطريق إلى كلّ خير ، وإنّما أطلق عليها العقبة - التي هي الطريق الصعب السلوك في الجبل - لصعوبة سلوكها . ثمّ عظّم العقبة بقوله : وَما أَدْراكَ وأي شيء أعلمك يا محمد ما تلك الْعَقَبَةُ ؟ فانّ المراد بها ليس العقبة المعروفة ، إنّما هي فَكُّ رَقَبَةٍ وإعتاق المملوك ، والدخول فيها الاقدام عليه أَوْ إِطْعامٌ وإشباع من المأكول فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ وفي زمان غلاء وقحط ، فانّ الصرف في هذا الزمان أثقل على النفس وأوجب للأجر يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ وصاحب رحم فاقد إطعامه أفضل

--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 422 ، عن أبي جعفر عليه السّلام ، تفسير الصافي 5 : 330 . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 183 . ( 3 ) . مجمع البيان 10 : 748 ، تفسير الصافي 5 : 331 . ( 4 ) . الكافي 1 : 124 / 4 ، تفسير الصافي 5 : 331 .