الشيخ محمد النهاوندي
487
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ويمضي وينقضي . وقيل : يعني إذا جاء وأقبل « 1 » ، وعن القمي : هو ليلة جمع « 2 » . ثمّ أظهر سبحانه فخامة هذه الأشياء التي أقسم بها بقوله : هَلْ فِي ذلِكَ المذكور من الأشياء الجليلة الحقيقة بالإعظام قَسَمٌ معتدّ به موجب للاعتماد عليه لِذِي حِجْرٍ وصاحب عقل منوّر وفكر صائب وإدراك قويّ ، والمقسم عليه مقدّر معلوم وهو : ليعذّبن الكفّار . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 6 إلى 10 ] أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) ثمّ استشهد سبحانه بما فعل بالأمم المكذّبة بقوله : أَ لَمْ تَرَ يا محمد حينما كنت في عالم الأشباح مطّلعا على الوقائع في العالم ، أو المعنى : ألم تعلم بالوحي كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ قوم هود ، وبأيّ عذاب شديد عذّبهم ؟ أعني من عاد ؟ إِرَمَ قيل : إنّه اسم لعاد الأولى ، سمّوا باسم جدّهم ، وهو إرم بن سام بن نوح « 3 » . والتقدير : سبط إرم ، أو أهل إرم ، على ما قيل « 4 » ، من أنّ إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا يسكنونها ، وهي على ما قيل بين عمان وحضر موت « 5 » ، وعلى أي تقدير كانوا قبيلة . ذاتِ الْعِمادِ وقدود طوال تشبيها لقاماتهم بالأعمدة والأساطين الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ نظير تلك القبيلة و مِثْلُها في القوّة وعظم الجسم وطول القامة فِي الْبِلادِ التي على وجه الأرض . وقيل : إنّ الوصفين لمدينتهم التي بناها شدّاد بن عاد « 6 » ، وقد وصفوها بأوصاف تقرع الأسماع . روي أنّ لعاد ابنين : شديد ، وشدّاد ، فملكا وقهرا ، ثمّ مات شديد ، وخلص الأمر لشدّاد ، فملك جميع الدنيا ، ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنّة فقال : أبني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة ، وهي مدينة عظيمة ، قصورها من الذهب والفضّة ، وأساطينها من الزّبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الأشجار والأنهار ، فلمّا ثمّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلمّا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فهلكوا « 7 » ، ثمّ غاب البلد عن أعين الناس جميعا . وَثَمُودَ وهم قوم صالح الَّذِينَ جابُوا وقطعوا الصَّخْرَ والحجر الشديد الصلابة بقوتهم
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 164 . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 419 ، تفسير الصافي 5 : 324 ، وجمع : هو المزدلفة ، سمّي جمعا لاجتماع الناس فيه . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 166 ، تفسير روح البيان 10 : 422 و 423 . ( 4 - 5 - 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 423 . ( 7 ) . تفسير الرازي 31 : 167 ، تفسير أبي السعود 9 : 154 .