الشيخ محمد النهاوندي

464

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في النار وصبيها ، وكان ممّن تكلّم في المهد » « 1 » . أقول : قد ظهر أنّ الروايات في القصة مختلفة ، وجمعها وإن كان ممكنا إلّا أنه لا يهمّنا ، لعدم حجّيتها في المقام ، وإنّما المعلوم من جميعها أنّ ملكا من الكفّار ، أو قوما منهم ، حفروا أخدودا وأحرقوا جمعا من المؤمنين بالنار لإيمانهم ، ولا يبعد أنّ القصة كانت مشهورة في العرب ، ذكرها سبحانه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين المبتلين بإيذاء المشركين . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 5 إلى 9 ] النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ( 5 ) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ( 6 ) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( 7 ) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 8 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 9 ) ثمّ فسّر سبحانه الأخدود بقوله : النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ والتقدير : أعني بالأخدود النار التي أوقدت بالحطب في الأخدود ، فارتفع لهبها وأحرق أولئك القوم إِذْ هُمْ بعد إيقاد النار وإلقاء المؤمنين فيها كانوا عَلَيْها قُعُودٌ على سرر وكراسي على ما قيل « 2 » ، ينظرون إلى احتراق المؤمنين فيها وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ من الإحراق والتعذيب شُهُودٌ عند الملك ، يشهدون أنّ أحدا من المأمورين لم يقصّر فيما أمرته لرحم وإشفاق . وقيل : إنّهم شهود على عملهم الشنيع يوم القيامة ، حيث إنّه تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون « 3 » . وَما نَقَمُوا أولئك الجبارون من المؤمنين ، وما أنكروا مِنْهُمْ عملا إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا أولئك المؤمنون بِاللَّهِ الذي يجب بحكم العقل الايمان به ، لأنّه تعالى هو الْعَزِيزِ والقاهر على كلّ شيء ، وهو الْحَمِيدِ والمستحقّ للحمد ، لكونه منعما على جميع الموجودات ، فعلى العاقل أن يخاف من سطوته وقهّاريته إن لم يؤمن به ، ويرجو نعمه وإحسانه إن آمن به ، وهو الَّذِي لَهُ وحده مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والسلطنة المطلقة في عوالم الملك والملكوت ، يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء وَ هو اللَّهُ والإله المستجمع لجميع الكمالات والخالق لكلّ شيء ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أفعال الكفّار والمؤمنين وغيرها من الموجودات الحقيرة والجليلة الظاهرة والخفية حتى الخواطر والضمائر شَهِيدٌ ومطّلع إطّلاع الحاضر المشاهد ، فيعذّب الكفّار والعصاة

--> ( 1 ) . مجمع البيان 10 : 706 ، تفسير الصافي 5 : 309 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 706 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 10 : 389 .