الشيخ محمد النهاوندي

461

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

السفينة ، فبعث إليه صاحب الروم من عمل له السفن ، فركبوا فيها ، فخرجوا إلى ساحل اليمن ، فخرج إليهم أهل اليمن ، فلقوهم بتهامة ، واقتتلوا ، فلم ير ملك حمير له بهم طاقة ، وخاف أن يأخذوه ، فضرب فرسه حتى وقع في البحر فمات فيه ، فاستولى الحبشة على حمير وما حولها وتملّكوا ، وبقي الملك لهم إلى وقت الإسلام « 1 » . وفي الحديث : « كان ملك فيمن كان قبلكم » كان له ساحر ، فلمّا كبر قال للملك : إني كبرت فابعث إليّ غلاما اعلّمه السحر . فبعث إليه غلاما يعلّمه ، فكان في طريقه راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضرب لمكثه ، فكشا إلى الراهب ، فقال له : إذا خشيت الساحر فقل له : حبسني أهلي . ثمّ إنّ الغلام رأى يوما في طريقه حيّة فقال : اليوم أعلم أنّ الساحر أفضل أم الراهب ، فأخذ حجرا وقال : اللهمّ إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فقوّني على قتلها ، فرماها فقتلها ، ومضى الناس ، فأتى الراهب فأخبره ، فقال الراهب : أي بني ، أنت اليوم أفضل منّي ، قد بلغ من أمرك ما أدري ، وإنّك ستبتلى ، فان ابتليت فلا تدلّ عليّ . وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ، ويشفى المريض . فسمع ذلك جليس الملك ، وكان أعمى ، فأتاه بهدايا ، فقال : ما هاهنا لك أجمع إن شفيتني . قال الغلام : إنّي لا أشفي أحدا ، إنّما يشفي اللّه ، فان آمنت باللّه دعوت اللّه فشفاك ، فآمن باللّه فشفاه اللّه . فأتى الملك فجلس إليه ، كما كان يجلس ، فقال الملك : من ردّ بصرك ؟ قال : ربّي . قال : أولك ربّ غيري ؟ قال : ربّي وربّك اللّه . فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الغلام ، فجيء بالغلام فقال له الملك . أي بني ، قد بلغت من سحرك أنّك تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل ! فقال : أنا لا اشفي أحدا ، إنما يشفي اللّه ، فاخذه ولم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب ، فجيء بالراهب . فقال له : ارجع عن دينك فأبى ، فدعا بالمنشار فوضعه في مفرق رأسه فشقّه به حتّى وقع شقّاه ، ثمّ جيء بجليس الملك فقال له : ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار على مفرق رأسه فشقّه به حتى وقع شقّاه ، ثمّ جيء بالغلام فقال له : ارجع عن دينك فأبى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه . فقال لهم : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروته فان رجع عن دينه وإلّا فاطرحوه . فذهبوا به فصعدوا به الجبل ، فقال الغلام : اللهمّ أكفينهم بما شئت ، فرجف بهم الجبل فسقطوا ،

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 386 .