الشيخ محمد النهاوندي

46

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بقوله : فَالْجارِياتِ في البحار جريانا يُسْراً وسهلا . ثم حلف بالملائكة الذين يقسّمون الأمطار والأرزاق بقوله : فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً والمراد بالأمر جنسه ، فيشمل جميع الأمور المنقسمة بين الخلائق . روى بعض العامة عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : « الذاريات هي الرياح ، والحاملات هي السّحاب ، والجاريات هي السّفن ، والمقسمات هي الملائكة الذين يقسّمون الأرزاق » « 1 » . وعن القمي رحمه اللّه ، عن الصادق عليه السّلام : « أن أمير المؤمنين سئل عن ( الذاريات ذروا ) قال : الريح ، وعن ( الحاملات وقرا ) قال : السّحاب ، وعن ( الجاريات يسرا ) قال : هي السّفن ، وعن ( المقسمات امرا ) قال : الملائكة » « 2 » . وعن ( الاحتجاج ) عن أمير المؤمنين عليه السّلام مثله « 3 » . والعجب من الفخر الرازي أنّه نقل هذا التفسير عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، ومع ذلك اختار غيره ، مع رواية العامة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها » « 4 » وأنّه مع الحقّ والحقّ معه » « 5 » . قال الناصب : الأقرب أنّ هذه صفات أربع للرياح التي تنشئ السّحاب أولا ، والحاملات هي الرياح التي تحمل السّحب التي هي بخار المياه التي إذا سّحت جرت السيول العظيمة ، وهي أوقار أثقل من الجبال ، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسّحب بعد حملها ، والمقسمات هي الرياح التي تفرّق الأمطار على الأقطار « 6 » . وفيه مع أنّه تفسير بالرأي ومن فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ومخالف لما فسّره به نفس الرسول صلّى اللّه عليه وآله ولسانه وعيبة علمه ، على تقدير ثبوته ، فاسد في نفسه لظهور أنّ الذاريات غير المنشئات ، والسائقات غير الحاملات ، والجاريات غير المجريات ، والمقسمات مطلق الأمر الشامل للأمطار والأرزاق وغيرها ، غير مقسمات خصوص المطر ، فالمقسمات أمرا كالمدبرات أمرا ، قيل : هم أربعة : جبرئيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل « 7 » . والظاهر أنّ هؤلاء عمد المدبّرات ، وإلّا فالمدبّرات أكثر . قيل : إنّ هذه الأمور دلائل التوحيد أخرجها بصورة القسم « 8 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 195 . ( 2 ) . تفسير القمي : 2 : 327 ، تفسير الصافي 5 : 67 . ( 3 ) . الاحتجاج : 259 ، تفسير الصافي 5 : 67 . ( 4 ) . مستدرك الحاكم 3 : 126 و 127 ، جامع الأصول 9 : 473 / 6489 ، أسد الغابة 4 : 22 ، تاريخ بغداد 11 : 49 و 50 . ( 5 ) . مناقب الخوارزمي : 57 ، ترجمة الإمام علي عليه السّلام من تاريخ دمشق 3 : 53 / 1172 . ( 6 ) . تفسير الرازي 28 : 195 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 148 . ( 8 ) . تفسير الرازي 28 : 194 .