الشيخ محمد النهاوندي
447
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
يَكْسِبُونَ » « 1 » . أقول : لعلّ المراد بالبياض لين القلب ونورانيته ، وبالسواد قسوته وظلمته ، وبعده عن التأثّر بالمواعظ الإلهية والآيات القرآنية ، وجرأته على اللّه إلى أن ينتهى أمره إلى الكفر ، كما قال تعالى : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ « 2 » . [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 15 إلى 17 ] كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ( 16 ) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 17 ) ثمّ ردعهم سبحانه عن توهّم أنه ليس عليهم تبعة في تكذيبهم بقوله : : كَلَّا ليس الأمر كما يتوهّمون من أنهم لا يؤاخذون بما يقولون ، بل إِنَّهُمْ عَنْ ثواب رَبِّهِمْ وكرامته ، كما عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 3 » يَوْمَئِذٍ وفي وقت قيامهم من القبور ، أو في محضر العدل والحساب لَمَحْجُوبُونَ ومحرومون ، فلا تشملهم الرحمة الواسعة الإلهية أبدا لعدم قابليتهم لنيلها . : ثُمَّ إِنَّهُمْ مع حرمانهم من الرحمة والكرامة لَصالُوا الْجَحِيمِ وملقون فيها بعنف وقهر ، ومباشرون حرّها من غير حاجز وحائل أصلا : ثُمَّ يضاف على عذابهم الجسماني العذاب الروحاني إذ يُقالُ لهم توبيخا وتقريعا والقائل الزبانية والملائكة الغلاظ الشداد حين إشرافهم على النار ، أو بعد إلقائهم فيها : أيّها الكفرة المنكرون للبعث والحساب وجزاء الأعمال هذَا العذاب الَّذِي ترونه بأعينكم وابتليتم به اليوم ، هو العذاب الذي أخبركم به الأنبياء والمؤمنون في الدنيا و كُنْتُمْ بِهِ عنادا ولجاجا تُكَذِّبُونَ وتستهزئون . [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 18 إلى 21 ] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) ثمّ ردعهم اللّه سبحانه عن توهّم أنّهم في الآخرة مساوون للمؤمنين ، بل هم أحسن حالا منهم بقوله : : كَلَّا ليس الأمر كما تتوهّمون من أنّكم في الآخرة على تقدير تحقّقها ووقوعها كالمؤمنين في حسن الحال ، وأنّهم مثلكم فيها ، بل إِنَّ كِتابَ أعمال المؤمنين الْأَبْرارِ والصلحاء الأخيار لَفِي عِلِّيِّينَ وأعالي الأمكنة ، أو أعالي الجنّة .
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 209 / 20 ، مجمع البيان 10 : 689 ، تفسير الصافي 5 : 300 . ( 2 ) . الروم : 30 / 10 . ( 3 ) . مجمع البيان 10 : 689 ، تفسير الصافي 5 : 300 .