الشيخ محمد النهاوندي
444
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فأحسنوا الكيل بعد ذلك . وقيل : كان أهل المدينة تجّارا يطفّفون ، وكانت بيوعهم المنابذة والملامسة والمخاطرة ، فنزلت هذه الآية ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقرأها عليهم ، وقال : « خمس بخمس » قيل : يا رسول اللّه ، وما خمس بخمس ؟ قال : ما نقض قوم العهد إلّا سلّط اللّه عليهم عدوّهم ، وما حكموا بغير ما أنزل اللّه إلّا فشا فيهم الفقر ، وما ظهر فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت ، ولا طفّفوا الكيل إلّا منعوا النبات واخذوا بالسّنين ، ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم المطر » « 1 » . وعن الباقر عليه السّلام قال : « نزلت على نبيّ اللّه حين قدم المدينة ، وهم يومئذ أسوأ الناس كيلا ، فأحسنوا بعد عمل الكيل » « 2 » . ثمّ وبّخ سبحانه المطفّفين بقوله : : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ المطفّفون ولا يحسبون أَنَّهُمْ من هذا العمل القبيح الشنيع مَبْعُوثُونَ من قبورهم : لِيَوْمٍ عَظِيمٍ لا يقادر قدر عظمته لعظم أهواله وشدائده ، لوضوح أنّ الظنّ بإتيان هذا اليوم كاف في التحرّز من القبائح التي يظنّ الابتلاء بتبعاتها . وقيل : إنّ المراد من الظنّ العلم « 3 » ، لكون النظر في الآية إلى أهل المدينة ، وهم كانوا مصدّقين بالبعث في زمان نزولها . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « أليس يوقنون أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ « 4 » لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أعني : يَوْمَ القيامة الذي يَقُومُ فيه النَّاسُ من قبورهم لِرَبِّ الْعالَمِينَ وللمحاسبة عنده ، وحينئذ تظهر لهم عظمة شناعة العمل القبيح وعقابه ، وإن كانوا يرونه في الدنيا حقيرا ، أو يحتمل أنّ المراد من القيام الحضور عنده تعالى . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر » « 5 » . وروي عنه صلّى اللّه عليه وآله : « أنّه يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف اذنيه » « 6 » . وعن الصادق عليه السّلام قال : « مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لربّ العالمين مثل السّهم في القراب ، ليس له من الأرض إلّا موضع قدمه » « 7 » . أقول : في الآية غاية التهديد حيث أثبت الويل للمطففين ، ثمّ وبّخهم ثانيا بأشدّ التوبيخ ، ثمّ وصف يومهم بالعظمة وما عظّمه اللّه تعالى كان في غاية العظمة ، ثمّ ذكّرهم القيامة مع غاية الخشوع والذلّة لربّ العالمين الذي هو في غاية العظمة والهيبة والقدرة ، وفيه دلالة على كمال حكمته وعدالته
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 88 . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 410 ، تفسير الصافي 5 : 298 . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 89 . ( 4 ) . الاحتجاج : 250 ، تفسير الصافي 5 : 298 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 31 : 90 ، تفسير روح البيان 10 : 365 . ( 7 ) . الكافي 8 : 143 / 110 ، تفسير الصافي 5 : 299 .