الشيخ محمد النهاوندي

430

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ومرعى . روي أنّ أبا بكر سئل عن قول اللّه : وَفاكِهَةً وَأَبًّا فلم يعرف معنى الأبّ وقال : أيّ سماء تظلّني ، أم أرض تقلّني ، أم كيف أصنع إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم ، أما الفاكهة فنعرفها وأما الأبّ فاللّه أعلم به فبلغ أمير المؤمنين عليه السّلام مقالته في ذلك ، فقال : « سبحان اللّه ! أما علم أنّ الأبّ هو الكلأ والمرعى » « 1 » . أقول : من العجائب أنّه كان في تمام زمان البعثة في حضور الرسول صلّى اللّه عليه وآله وكانت قراءة القرآن من العبادات الشائعة في ذلك الزمان ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وآله يدرّس القرآن ومعانيه وتفسيره ، وهو بعد عمره كان جاهلا باللغة المستعملة في القرآن ، ولم يسأل النبي صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه ، فكيف بسائر العلوم والأحكام ؟ [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 32 إلى 37 ] مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) ثمّ لمّا ذكر سبحانه ما يغتذي به الناس والأنعام ، وجّه الخطاب إلى الناس تكميلا لامتنانه عليهم بقوله : مَتاعاً والتقدير خلقنا هذه الأغذية لتكون متاعا ومنفعة لَكُمْ أيّها الناس وَلِأَنْعامِكُمْ ومواشيكم ، فلا ينبغي لكم في حكم العقل أن تكفروا هذه النّعم ، وتتمرّدوا عن طاعة المنعم عليكم ، وتتكبّروا على رسوله وسائر عبيده . ثمّ ذكر سبحانه بعض أهوال يوم القيامة ودار الجزاء إرعابا للقلوب وتذكيرا لمعادهم بعد بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم بقوله : فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ونزلت بكم الداهية العظيمة ، وهي الصيحة التي تخرج من الصّور بالنفخة الثانية التي يحيا بها الأموات في القبور فتتح ، وتفتك شدّتها آذانهم ، أو يفتحون ويستمعون لها ، أعني من الصاخّة . يَوْمَ يَفِرُّ فيه الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ مع كمال الأنس بينهما في الدنيا وتظاهرهما في الشدائد وَ من أُمِّهِ التي لها عليه حقوق كثيرة وَ من أَبِيهِ الذي كان في غاية العطوفة به والشفقة عليه وَ من صاحِبَتِهِ وزوجته التي كانت أنيسته في الدنيا وَ من بَنِيهِ وأولاده الذين كانوا أحبّ الخلق إليه وأفلاذ كبده ، وذلك الفرار إنّما هو لأجل أن لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ وشغل عظيم وخطب هائل فظيع يُغْنِيهِ ويكفيه في الاهتمام به بحيث لا مجال له أن يلتفت إليهم ، أو يغنيه ويصرفه عنهم ، وهو اشتغاله بنجاة نفسه - التي هي أعزّ النفوس عنده من الأهوال والعذاب .

--> ( 1 ) . إرشاد المفيد 1 : 200 ، تفسير الصافي 5 : 286 .