الشيخ محمد النهاوندي

426

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمه خلف والوليد بن مغيرة يدعوهم إلى الاسلام رجاء أن يسلم باسلامهم غيرهم فقال للنبي صلّى اللّه عليه وآله اقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه ، وكرّر ذلك ، فكره النبي صلّى اللّه عليه وآله قطعه الكلام وعبس وأعرض عنه ، فنزلت هذه الآيات « 1 » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يكرمه ويقول : إذا مدحه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي ، رواه الزمخشري ، والفخر الرازي ، وأبو السعود ، وإسماعيل الحقّي « 2 » ، وقال الفخر : أجمع المفسّرون على أنّ الذي عبس وتولّى هو الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، وأجمعوا على أنّ الأعمى ابن امّ مكتوم « 3 » . وقال بعض علماء أصحابنا ، ما اشتهر من تنزيل هذه الآيات في النبي صلّى اللّه عليه وآله دون عثمان يأباه سياق مثل هذه المعاتبات للنبي صلّى اللّه عليه وآله الغير اللائقة بمنصبه ، وكذا ما ذكر بعدها إلى آخر السورة « 4 » . ووجّه بعض العامة فعل النبي صلّى اللّه عليه وآله بأن امّ مكتوم كان سؤاله حراما في الواقع عن النبي صلّى اللّه عليه وآله لكونه إيذاء ومانعا له عمّا هو الأهمّ من دعوة جمع من صناديد قريش إلى الإسلام ، وكان الواجب على النبي صلّى اللّه عليه وآله ، الإعراض عنه والاشتغال بالأهمّ مع أنّه كان مأذونا في تأديب المسلمين ، ولذا كان ابن امّ مكتوم مستحقّا للعتاب ، ولكن لمّا كان فعل النبي صلّى اللّه عليه وآله موهما لتقديمه الأغنياء على الفقراء ، أو لأنّه كان ميل النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى إسلامهم لقرابتهم وشرفهم وعلوّ منزلتهم ، والنفرة على الأعمى الذي لا قرابة له ولا شرف « 5 » ، والعبوس والتولّي كانا لتلك الداعية ، عاتبه اللّه عليه ، لأنّه ترك للأولى ، والتعبير عن ابن امّ مكتوم بالأعمى الدالّ على تحقيره ، وإن نافى تعظيمه بتوجيه العتاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله بسبب إعراضه عنه وتعيين وجهه ، إلّا أنّ في التعبير إشعارا باستحقاق الأعمى مزيد الرفق والرأفة ، أو لعذره في قطع كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أو لزيادة الإنكار كأنّه قال تعالى : تولّى لكونه أعمى ، مع أنّه لا يليق هذا بمن له خلق كريم . أقول : بعد الاعتراف بأنّه كان الواجب على النبي صلّى اللّه عليه وآله الأعراض والتولّي عنه ، والاشتغال بما هو الأهمّ ، وكون تأديب المسلمين وظيفته صلّى اللّه عليه وآله ، وكون ميل النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى إسلامهم لقرابتهم وشرفهم ، مع كونه مأمورا بإنذار خصوص أقربائه بقوله : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ « 6 » وكون إسلامهم سببا لاسلام عامة قريش ، بل أكثر العرب ، أي مجال للعتاب وتوهين النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى يوم القيامة بأداء الواجب عليه ، وكون داعية إسلامهم موجبا لغاية تعظيمه ، لا توهينه وتعظيم الأعمى ، وأمّا دعوى أنّه

--> ( 1 ) . الكشاف 4 : 700 ، تفسير الرازي 31 : 54 ، تفسير أبي السعود 9 : 107 ، تفسير روح البيان 10 : 330 . ( 2 ) . الكشاف 4 : 701 ، تفسير الرازي 31 : 54 ، تفسير أبي السعود 9 : 107 ، تفسير روح البيان 10 : 331 . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 55 . ( 4 ) . تفسير الصافي 5 : 285 . ( 5 ) . تفسير الرازي 31 : 55 ، تفسير روح البيان 10 : 332 . ( 6 ) . الشعراء : 26 / 214 .