الشيخ محمد النهاوندي
420
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا كان تكذيب المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وآله في إخباره بالمعاد ودار الجزاء مؤلما لقلبه الشريف ، سلّاه سبحانه بحكاية معارضة فرعون موسى بن عمران في دعوته إلى التوحيد ، وإنه مع إنكاره ادّعى الربوبية ، فابتلاه اللّه بالعذاب مع كونه أقوى من قومه بقوله : هَلْ أَتاكَ يا محمد ، وقيل : إنّ هَلْ هنا بمعنى ( قد ) « 1 » والمعنى قد جاءك حَدِيثُ دعوة مُوسى فرعون . وقيل : إنّ المعنى : هل بلغك خبره ، أم أنا أخبرك به ؟ « 2 » وهذا التعبير للترغيب في الاستماع ليتسلّى به . ثمّ ذكر الحديث بقوله : إِذْ ناداهُ رَبُّهُ قيل : إنّ التقدير اذكر حين ناداه ربّه « 3 » بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ والأرض المطهّرة عن الشرك ، واسم ذلك الوادي طُوىً وهو على ما قيل : واقع بين المدينة ومصر « 4 » . وقيل : إنّه واد بالشام عند الطّور « 5 » . وعن ابن عباس : أنّ طوى بمعنى الرجل بالعبرانية « 6 » ، والمعنى : يا رجل اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ وقيل : إنّه بمعنى ساعة من الليل « 7 » اذهب برسالتي إلى فرعون ملك مصر إِنَّهُ طَغى وتجاوز عن الحدّ في الكفر والعصيان والتكبّر على الخلق حتّى استبعدهم على ما قيل « 8 » . فإذا جئته فَقُلْ له بلسان ليّن يا فرعون هَلْ لَكَ ميل ورغبة إِلى أَنْ تَزَكَّى وتتطهّر من دنس الكفر والكبر والأخلاق السيئة الرديّة . وَأَهْدِيَكَ وأدلّك إلى الطريق المقرّب إِلى رَبِّكَ ومعرفته وطاعته فَتَخْشى من عصيانه وعذابه بعد معرفته والعلم بوجوب طاعته ؟ فجاء موسى بأمر ربّه وحسب رسالته إلى فرعون ، وجرى بينه وبينه ما جرى إلى أن قال فرعون : فان كنت جئت بآية فات بها فَأَراهُ موسى الْآيَةَ الْكُبْرى والمعجزة العظمي بإلقائه عصاه وصيرورتها ثعبانا عظيما ، أو باليد البيضاء ، أو بهما فَكَذَّبَ فرعون بموسى ونسب معجزاته إلى السّحر وَعَصى ربّه وتمرّد عن طاعته مع علمه بصدق رسوله . ثُمَّ أَدْبَرَ وأعرض عن الايمان بموسى وهو يَسْعى ويجتهد في إبطال أمر رسالته وإطفاء نوره عنادا ولجاجا . قيل : لمّا رأى فرعون الثعبان أدبر وأسرع في مشيته « 9 » خشية منه فَحَشَرَ وجمع السحرة لمعارضة موسى وسائر الناس ليروا غلبة السّحرة عليه فَنادى في مجمعهم بنفسه ، أو بتوسّط مناد منه قبله فَقالَ : أيّها الناس أَنَا رَبُّكُمُ وإلهكم الْأَعْلى من كلّ من يلي أموركم من الملوك والامراء ، أو من الأصنام التي تعبدونها فَأَخَذَهُ اللَّهُ بسبب طغيانه ودعواه الربوبية والألوهية ونكّل
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 38 ، تفسير أبي السعود 9 : 99 . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 38 ، تفسير روح البيان 10 : 319 . ( 3 ) . تفسير الطبري 30 : 25 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 319 . ( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 31 : 38 . ( 7 ) . تفسير الرازي 31 : 38 . ( 8 ) . تفسير الرازي 31 : 39 ، تفسير روح البيان 10 : 320 . ( 9 ) . الكشاف 4 : 696 ، تفسير الرازي 31 : 42 ، تفسير روح البيان 10 : 321 .