الشيخ محمد النهاوندي
418
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قيل : نكتة عطف الثاني والثالث بالواو « 1 » مع اتّحاد الكلّ الإشعار بأنّ كلّ واحد من الأوصاف من الصفات العظيمة الجليلة الحقيقة بأن يكون كلّ على حياله مناطا لاستحقاق موصوفه للتعظيم والاجلال ، وعطف الرابع والخامس بالفاء لتفرعها على الأول . وعن الصادق عليه السّلام : قوله النَّازِعاتِ قال : « هم ملائكة الموت ينزعون النفوس » « 2 » . وعن الباقر عليه السّلام : « فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً تسبق أرواح المؤمنين إلى الجنة » « 3 » . وقيل : إنّ المراد من الثلاثة الأخر عموم الملائكة المأمورين لأمور العالم « 4 » ، والمراد من السابحات طوائف الملائكة الذين ينزلون من السماء بسرعة كالسابح في الماء لعامة الأمور ، ولازم السرعة هو التقدّم في السير وإجراء الأمور وتدبيرها بغير تراخ . وقيل : إنّ السابقات الملائكة الذين يسبقون الشياطين بالوحي إلى الأنبياء « 5 » . وقيل : النازعات صفة النجوم التي تكون ذوات نزع وجذب من تحت الأرض إلى فوقها نزعا شديدا « 6 » ، والناشطات هي النجوم التي تسير من برج إلى برج ، فالمراد من نزعها حركتها اليومية ، ومن نشطها حركاتها الخاصة في أفلاكها بحركة ملائمة لذواتها ، والمراد من السابحات هي النجوم تسبح في الفلك ، كما قال تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 7 » ووصفها بالسابقات باعتبار سبق بعضها على بعض ، ووصفها بالمدبّرات باعتبار ما يترتّب عليها من الآثار كاختلاف الفصول وتمييز الأوقات واختلاف الأحوال ، وعلى أيّ تقدير كلّها قسم على وقوع البعث والقيامة ، والتقدير : اقسم بهذه الأمور العظام لتبعثنّ بعد الموت ، أو لننفخنّ في الصّور ، أو إن ما توعدون لواقع . وقيل : إنّ جواب القسم مذكور ، وهو قوله : قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ « 8 » والمعنى : أن يَوْمَ تَرْجُفُ وتتزلزل وتضطرب شديدا جميع الأجرام الساكنة كالأرض والجبال بالنفخة الأولى التي هي الرَّاجِفَةُ والمحرّكة لكلّ شيء ، فأسند الفعل إلى سببه لأنّ النفخة سبب لاضطراب الاجرام ، ثمّ تَتْبَعُهَا وتحدّث بعدها النّفخة الثانية التي هي الرَّادِفَةُ للإحياء ، والمراد باليوم الزمان الممتدّ الذي يقع بين النفختين .
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 9 : 96 . ( 2 ) . مجمع البيان 10 : 651 ، تفسير الصافي 5 : 279 ، وفيهما : هو الموت ينزع النفوس . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 403 ، تفسير الصافي 5 : 279 . ( 4 ) . مجمع البيان 10 : 652 . ( 5 ) . تفسير الرازي 31 : 28 . ( 6 ) . تفسير الرازي 31 : 29 . ( 7 ) . الأنبياء : 21 / 33 . ( 8 ) . تفسير الرازي 31 : 33 .