الشيخ محمد النهاوندي

413

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا بيّن سبحانه شدّة عذاب الطّغاة أظهر شدّة غضبه عليهم بتوجيه العتاب إليهم بقوله : فَذُوقُوا أيّها الكفرة الطّغاة طعم العذاب كما ذقتم في الدنيا لذّة مشتهياتها فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلى الأبد إِلَّا عَذاباً قيل : كلّما استغاثوا من عذاب اغيثوا بأشدّ منه « 1 » . عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ هذه الآية أشدّ ما في القرآن على أهل النار » « 2 » . قيل : إنّهم لمّا كانوا يزيدون تدريجا في تكذيب النبي صلّى اللّه عليه وآله وإيذائه وإيذاء المؤمنين ، زاد اللّه متدرّجا في عذابهم لتحقيق الموافقة في الجزاء ، فلا يرد ما قيل من أنّه لو كان العذاب الزائد مستحقّا في أول ورودهم في جهنّم كان تركه عفوا وإحسانا ، فلا ينبغي للحكيم رجوعه عن عفوه وإحسانه ، وإن كان غير مستحقّ فزيادته ظلم « 3 » ، مع أنّ التخفيف إلى مدّة لا ينافي عذابه فيما بعد . ثمّ بيّن سبحانه حسن حال المتّقين في الآخرة بقوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ والمجتنبين عن الكفر وتكذيب الرسول والمعاد والعصيان في الآخرة مَفازاً وظفرا بأقصى المطالب وأهمّ المقاصد بعد النجاة من النار ، أعني بالمفازة حَدائِقَ وبساتين ذات أشجار كثيرة وثمار وافرة لم تر مثلها عين ، ولم تسمع مثلها اذن وَأَعْناباً طيبة كثيرة . قيل : إنّما خصّها بالذكر لشرفها وفضلها « 4 » . وَ لهم نساء كَواعِبَ ومستديرات الثديين ، أو مرتفعاتها و أَتْراباً ومتساويات في السنّ . عن الباقر عليه السّلام : « كَواعِبَ أَتْراباً فتيات ناهدات » « 5 » . وَ ان لهم كَأْساً من خمر دِهاقاً ومملؤة كما عن ابن عباس « 6 » ، أو متتابعة كما عن جماعة « 7 » ، أو صافية « 8 » . وهؤلاء المتّقون الذين هم في الجنة لا يَسْمَعُونَ من أحد فِيها كلاما لَغْواً وباطلا وَلا كِذَّاباً الذي كان الطاغوت يقولونه في الآيات . والحاصل أنّ المتّقين لا يسمعون في الجنّة كلاما مشوّشا ولا كلاما ككلام الطّغات . وقيل : إنّ ضمير فِيها راجع إلى الكأس « 9 » ، والمعنى لا يسمعون في حال شربهم الخمر كلاما لغوا وباطلا ، إذ لا تتغير عقولهم ، ولا يتكلّمون بما لا فائدة فيه ، كلّ ذلك يكون جَزاءً على عقائدهم الصحيحة وأعمالهم الصالحة مِنْ رَبِّكَ الكريم الجواد ، ويكون عَطاءً لهم حِساباً وكافيا ، أو كثيرا زائدا عن استحقاقهم بإزاء عملهم ، فانّ الاحسان إلى المطيع بمقدار عمله واجب على اللّه ،

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 19 ، وتفسير روح البيان 10 : 307 ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 19 ، وتفسير روح البيان 10 : 307 ، هذا الحديث والذي قبله حديث واحد . ( 3 ) . تفسير الرازي 10 : 307 . ( 4 ) . تفسير الرازي 10 : 308 . ( 5 ) . تفسير القمي 2 : 402 ، تفسير الصافي 5 : 277 . ( 6 - 7 - 8 - 9 ) . تفسير الرازي 31 : 20 .