الشيخ محمد النهاوندي
404
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ وصف سبحانه النار التي كان ذلك الظلّ دخانا لها بقوله : إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ وشعلات ، كلّ شرر وشعلة في العظمة كَالْقَصْرِ العظيم والبناء الرفيع ، عن ابن عباس : يريد القصور العظام « 1 » . وروي عنه : أنّ هذا التشبيه ورد في بلاد العرب ، وقصورهم قصيرة السّمك « 2 » جارية مجرى الخيمة « 3 » . وفي رواية أخرى عنه ، أنّه سئل عن القصر ، فقال : هو خشب كنّا ندّخره للشتاء نقطّعه « 4 » . وقيل : هو أصول الشجر العظام والنّخل « 5 » . ثمّ شبه سبحانه كلّ شرر في اللون والتتابع والسرعة والكثرة والاختلاط بجماعة الإبل السّود بقوله : كَأَنَّهُ جِمالَتٌ وجماعة إبل صُفْرٌ كلّ شررة كأنّها جمل أصفر . قيل : عبّر سبحانه عن الأسود بالأصفر ، لأنّ لون الصّفرة هو السواد المختلط بالبياض ، أو لأنّ الإبل السوداء سوادها يضرب إلى السّفرة ، أو لأنّ الإبل الصفراء يشوب رؤوس أشعارها السواد « 6 » . قيل : إنّ ابتداء الشّرر يعظم فيكون كالقصر ، ثمّ يفترق فتكون القطع المتفرّقة كالجمالة الصّفر « 7 » . قيل : في تشبيه الشرر بالجمالة الصّفر تقريع بالكفّار ، فانّهم كانوا يحبّون الجمال ، ويعتقدون أنّ ملكها تمام النّعمة ، كأنّه « 8 » قيل لهم : إنّكم كنتم تتوقعون من دينكم نعمة كثيرة « 9 » أهمّها عندكم جمالة وجماعة من الإبل ، فاليوم صارت الجمالة المحبوبة عندكم هذه الشرارات . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بهذه الأهوال هذا اليوم الذي فيه تلك الأهوال العظيمة يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ هؤلاء المكذّبون بشيء قيل : إنّ الكفّار حين السؤال ينطقون ، فلمّا انقضى السؤال والحساب لا ينطقون من الوحشة وعدم القدرة على التكلّم « 10 » وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ من قبل اللّه فَيَعْتَذِرُونَ عن تقصيراتهم لعدم عذر لهم بعد إتمام الحجّة عليهم في الدنيا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بهذه الأخبار . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 38 إلى 40 ] هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ( 38 ) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ( 39 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 40 ) ثمّ يقال لهم توبيخا وتقريعا : هذا اليوم العظيم الذي ترون أهواله يَوْمُ الْفَصْلِ بين الحقّ
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 276 . ( 2 ) . السّمك : السقف أو الارتفاع . ( 3 ) . تفسير الرازي 30 : 277 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 30 : 276 . ( 6 ) . في النسخة : لأن الإبل الأسود سواده يضرب إلى الصفرة ، أو لأن الإبل الأصفر يشوب رؤوس أشعاره بالسواد . راجع : تفسير روح البيان 10 : 188 . ( 7 - 8 - 9 ) . تفسير الرازي 30 : 277 . ( 10 ) . تفسير الرازي 30 : 279 .