الشيخ محمد النهاوندي
397
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا أمر سبحانه النبي صلّى اللّه عليه وآله بالصبر أمره بالعبادة الموجبة لراحة قلبه الشريف بقوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ واشغل قلبك بالتوجّه إليه بُكْرَةً وأول النهار وَأَصِيلًا وآخره . قيل : إنّ المراد المداومة على الذّكر في جميع الأوقات « 1 » . وقيل : إنّ المراد المداومة على صلاة الفجر والظهر والعصر ، فانّ الأصيل يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب « 2 » . وَ في بعض مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ قيل : إنّ المراد بالسجدة صلاة المغرب والعشاء « 3 » وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا قيل : أريد به التهجّد وصلاة نافلة الليل في ثلثيه ونصفه وثلثه « 4 » . وقيل : إنّ المراد بالذكر والتسبيح نفسهما . قال : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا « 5 » . ثمّ إنّه تعالى بعد تسلية النبي صلّى اللّه عليه وآله شرع في بيان سوء حال الكفار والمتمرّدين بقوله : إِنَّ هؤُلاءِ الكفّار يُحِبُّونَ الدنيا الْعاجِلَةَ الفانية ، ويشتاقون إلى لذّاتها ومشتهياتها وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ ويدعون خلف ظهورهم يَوْماً ثَقِيلًا عليهم شديدا أهواله لهم ، ولذا أعرضوا عن الايمان بك وبكتابك ، ولا يعتنون بمواعظك التي فيها نفع آخرتهم ، وليس عدم إيمانهم لشبهة في نظرهم حتى تزيلها بالدلائل ، وإلّا لو كانوا تابعين « 6 » لعقولهم كان عليهم إطاعة أوامرنا والانقياد لأحكامنا نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وأعطيناهم الأعضاء والقوى التي يكمل بها خلقهم وتهيّأ « 7 » لهم حياتهم وَشَدَدْنا ما حكمنا أَسْرَهُمْ وأعضائهم ، ليتمكّنوا من القيام والقعود والحركات التي ينتفعون بها من اللذائذ الدنيوية وَإِذا شِئْنا أهلكناهم و بَدَّلْنا وعوّضنا عنهم في الأرض خلقا آخر أَمْثالَهُمْ في الخلقة والشكل تَبْدِيلًا بديعا . حاصل المراد واللّه أعلم أنّهم محتاجون في الحياة والبقاء في الدنيا والالتذاذ بشهواتها إلينا ، ونحن مستغنون عنهم لعدم حاجتنا إلى الخلق ، ولو فرض لنا حاجة لنا إليهم ، بل نحن بقدرتنا الكاملة الذاتية قادرون على خلق أمثالهم . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 29 إلى 31 ] إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 31 )
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 9 : 75 ، تفسير روح البيان 10 : 278 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 278 . ( 3 ) . تفسير الرازي 30 : 259 ، تفسير أبي السعود 9 : 76 ، تفسير روح البيان 10 : 278 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 278 . ( 5 ) . تفسير الرازي 30 : 259 ، والآيتان من سورة الأحزاب : 33 / 41 و 42 . ( 6 ) . في النسخة : تابعا . ( 7 ) . كذا الظاهر ، والكلمة غير منقطة في النسخة .