الشيخ محمد النهاوندي

374

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا حكى سبحانه سبب استحقاق المجرمين للعقاب ، بيّن عدم المانع من تعذيبهم بقوله تعالى : فَما تَنْفَعُهُمْ لدفع العذاب شَفاعَةُ جميع الأنبياء والأوصياء والأولياء الشَّافِعِينَ للعصاة ، لو فرض محالا بشفاعتهم لهم ، لا شراط قبولها بقابلية المشفوع له للشفاعة ، ولا قابلية للكفّار لها ، فإذا كان هذا حال المكذّبين بالقرآن فَما لَهُمْ وأيّ داع دعاهم إلى أن يكونوا عَنِ القرآن الذي هو عين التَّذْكِرَةِ والموعظة للناس لشدّة لزومه لها مُعْرِضِينَ مع تعاضد موجبات الإقبال عليه ، وتأكّد الدواعي للايمان به والاتّعاظ منه ، والعجب مع ذلك أنّهم يفرّون من استماع القرآن كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ وحشية كما عن ابن عباس « 1 » مُسْتَنْفِرَةٌ وهاربة فَرَّتْ وهربت مِنْ قَسْوَرَةٍ عن ابن عباس : القسورة : الأسد بلسان الحبشة . وقال : الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت ، كذلك المشركون إذا رأوا محمدا صلّى اللّه عليه وآله هربوا منه « 2 » . وقيل : القسورة : جماعة الرّماة الذين يتصيّدون الحمر « 3 » . وقيل : ركز الناس وأصواتم « 4 » وفيه غاية ذمّهم وتهجين حالهم وشهادة عليهم بالبلد « 5 » حيث إنّه لا نفار مثل نفار الحمر الوحشية واطرادها في العدو إذا خافت من شيء . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 52 إلى 56 ] بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) ثمّ لمّا قال سبحانه : ما لهم يعرضون عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أو القرآن ، بيّن سبب ذلك بقوله : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ ورجل مِنْهُمْ ويتوقّع كلّ فرد من أفرادهم أَنْ يُؤْتى من جانب اللّه صُحُفاً وكتبا مُنَشَّرَةً ومفتوحة . وروي أنّ أبا جهل وعبد اللّه بن أمية وأصحابهما قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لن نتّبعك حتى تأتي كلّ واحد منّا بكتب ، أو قالوا : يصبح عند رأس كلّ رجل منّا أوراق منشورة ، عنوانها : من ربّ العالمين إلى فلان بن فلان ، نؤمر فيها باتّباعك « 6 » .

--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 30 : 212 . ( 3 ) . تفسير الرازي 30 : 212 ، تفسير روح البيان 10 : 241 . ( 4 ) . تفسير الرازي 30 : 212 . ( 5 ) . في تفسير الرازي : بالبله . والبلد : قلّة الذكاء . والبله : ضعف العقل وغلبة الغفلة . ( 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 242 .