الشيخ محمد النهاوندي
337
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ بيّن سبحانه نتيجة أعمالهم بقوله : أُولئِكَ المتّصفون بتلك الصفات الكريمة مستقرون يوم القيامة فِي جَنَّاتٍ لا توصف بالبيان ، ولا يدرك كنهها الانسان ، وهم مع ذلك مُكْرَمُونَ بغاية الاكرام ، ومعظّمون بنهاية التعظيم . ثمّ روي أنّ الكفّار والمشركين كانوا محلّقين حول رسول اللّه حلقا حلقا وفرقا فرقا ، يستمعون القرآن ويستهزؤون به ، ويقولون : إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمّد فلندخلها قبلهم ، فنزل قوله : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا « 1 » وأي حال عرضهم أنّهم قِبَلَكَ يا محمد وحولك حال كونهم مُهْطِعِينَ ومسرعين نحوك ، أو مادّين أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ منك عِزِينَ ومجتمعين فرقا فرقا ، ومحلّقين عليك حلقا حلقا . وقيل : إنّ المراد منهم المنافقون « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام - وقد ذكر المنافقين - قال : « وما زال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يتألّفهم ويقرّبهم ويجلسهم عن يمينه وشماله حتى أذن اللّه عزّ وجلّ له في إبعادهم بقوله : اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا « 3 » وبقوله : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . . . الآيات » « 4 » . أقول : ويمكن أن يكون المراد المعنى العام . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 38 إلى 44 ] أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 ) ثمّ أنكر سبحانه عليهم الطمع في دخولهم الجنة بقوله : أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ ونفس مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ في القيامة جَنَّةَ نَعِيمٍ كالمسلمين بغير إيمان كَلَّا وحاشا أن يدخلوها إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ من نطفة قذرة ، فكيف يتأهّلون لدخول الجنة التي هي منزل المطهّرين حتّى يتطهّروا بالايمان والمعرفة ؟ وقيل في ارتباط الآية وجوه أخر « 5 » . ثمّ بيّن سبحانه قدرته على إهلاك جميعهم بقوله : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ التي تكون للشمس
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 131 ، تفسير روح البيان 10 : 169 . ( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 131 . ( 3 ) . المزمل : 73 / 10 . ( 4 ) . الاحتجاج : 235 ، تفسير الصافي 5 : 228 . ( 5 ) . تفسير الرازي 30 : 132 .