الشيخ محمد النهاوندي

33

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بدل ما يتحلّل ، فهو في هذا العالم يتجدّد خلقه ، واللّه تعالى في كلّ يوم من خلقه ، بل من خلق العالم في شأن ، وعليه يكون معنى الآية أنّه لا يختصّ تجديد خلقهم بما بعد خروجهم من الدنيا ، بل هم في هذه الدنيا متلبّسون في كلّ يوم بخلق آخر جديد « 1 » . وعن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « تأويل ذلك أن اللّه تعالى إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم ، وسكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، جدّد اللّه عالما آخر غير هذا العالم ، وجدّد خلقا من غير فحوله ولا إناث يعبدونه ويوحدّونه ، وخلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم ، وسماء غير هذه السماء تظلّلهم ، لعلك ترى أن اللّه إنّما خلق هذا العالم الواحد ، أو ترى أنّ اللّه لم يخلق بشرا غيركم ؟ بلى واللّه لقد خلق اللّه ألف ألف عالم ، وألف ألف آدم ، وأنت في آخر تلك العوالم ، وأولئك الآدميين » « 2 » . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ( 17 ) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) ثمّ بيّن سبحانه كمال قدرته وسعة علمه المبنيين لإمكان الخلق الجديد بقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا بقدرتنا الكاملة الْإِنْسانَ في الدنيا من غير مثال سابق وَنَعْلَمُ بذاتنا ما تُوَسْوِسُ وتحدّث بِهِ نَفْسُهُ وتخطر على قلبه من خير أو شر ، أو خطرات السوء الحاصلة بإلقاء الشيطان وَنَحْنُ أَقْرَبُ علما إِلَيْهِ من كلّ قريب حتى مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ والعرق المتّصل بقلبه المخالط للحمه ، وفيه مجاري روحه الحيواني ، وهو كناية عن نهاية القرب ، والمعنى أنّ اللّه تعالى أقرب إلى الانسان من روحه ونفسه إِذْ يَتَلَقَّى وحين يتلقّن الملكان الْمُتَلَقِّيانِ والآخذان من الانسان فعله وقوله ، وكاتبان عليه كلّما يصدر منه ، فليس توكيلهما عليه لكتابة أعماله للحاجة في الاطلاع على أعماله إلى ضبطهما وثبتهما أعماله ، لأنّا أقرب إليه من كلّ قريب ، وأعلم بحاله من نفسه ، بل لكونه بعد الاطلاع على أنّ عليه ملكين موكلين لكتابة أعماله ، أدعى له إلى الطاعة ، وأزجر له عن المعصية ، وكلّ منهما عَنِ الْيَمِينِ من الانسان وَعَنِ الشِّمالِ منه قَعِيدٌ وجالس . ما يَلْفِظُ وما يرمى به مِنْ قَوْلٍ وكلام خير أو شرّ إِلَّا لَدَيْهِ ملك رَقِيبٌ يراقب ذلك القول ويكتبه في صحيفته ، وهو عَتِيدٌ ومهيأ لكتابته ، أو هو حاضر عنده أينما كان ، لا يفارقه ولا

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 111 . ( 2 ) . التوحيد : 277 / 2 ، تفسير الصافي 5 : 60 .