الشيخ محمد النهاوندي
328
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان أهوال القيامة وأحوال السعداء والأشقياء ، وكان المشركون والأشقياء ينكرون جميعها ويكذّبون القرآن ، بيّن سبحانه عظمة القرآن وأنّه كلام اللّه المجيد بقوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ وقيل : إنّ التقدير فلا مجال لتكذيب المكذّبين « 1 » للقرآن وما أخبر به من البعث والنشور ، اقسم بِما تُبْصِرُونَ وما تشاهدون من الجسمانيات وَما لا تُبْصِرُونَ ولا تشاهدون من العقول والروحانيات إِنَّهُ من أوّله إلى آخره لَقَوْلُ رَسُولٍ صادق مبعوث من جانب اللّه كَرِيمٍ عليه عظيم الشأن عنده ، وهو محمد صلّى اللّه عليه وآله أو جبرئيل ، جاء به من قبل اللّه وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ كما تزعمون ، وأنتم إيمانا قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ بالقرآن أنّه كلام اللّه ، وبمن جاء به أنّه رسول اللّه وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ كما تدّعون ذلك مرة أخرى تذكّرا قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ولذا يلتبس عليكم الأمر . قيل : إنّ الايمان والتذكّر القليل بالشيء الظنّ به والميل إليه « 2 » وقيل : إنّ القليل في الآيتين كناية عن العدم « 3 » . وقيل : إنّ الايمان القليل اليقين بالقلب والجحود باللسان « 4 » . أو الايمان ببعض أحكام القرآن دون « 5 » بعض . وإنّما قرن سبحانه عدم الايمان بالشاعرية ؛ لأنّ عدم مشابهة القرآن بالشعر أمر بيّن لا ينكره إلّا المعاند فلذا وبّخوا على عدم الايمان بخلاف مبانيه « 6 » للكهانة ، فإنّها ليست بذاك الوضوح ، فانّ من تذكّر أحوال النبي صلّى اللّه عليه وآله ومعاني القرآن وتأمّل فيهما « 7 » علم أنّ القرآن ليس بكهانة ، فانّ الكاهن يأتيه الشيطان ويلقي إليه أخبار السماء ، وما يقوله النبي صلّى اللّه عليه وآله مشتمل على ذمّ الشياطين وسبّهم ، فكيف يمكن أن يكون ذلك بإلقاء الشياطين ؟ وكذا معاني القرآن [ فإنها تشتمل على ] الدعوة إلى العقائد الحقّة وتهذيب الاخلاق والأعمال الصالحة بخلاف أقوال الكهنة ، فلو تذكّر كفّار مكّة معاني القرآن ومعاني أقوال الكهنة لما قالوا : إنّه كاهن ، وإن القرآن كهانة ، بل هو تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ نزّله بتوسّط جبرئيل على رسوله ، فهو قول اللّه وكلامه لأنّه نزّله ، وقول جبرئيل لّانه نزل به ، وقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لأنّه أنذر به . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 44 إلى 52 ] وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ( 49 ) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ( 51 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 52 )
--> ( 1 ) . تفسير طبري 29 : 41 . ( 2 - 3 - 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 149 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 149 و 150 . ( 6 ) . في تفسير روح البيان : مباينته . ( 7 ) . في النسخة : منهما .