الشيخ محمد النهاوندي
316
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أَيْمانٌ وعهود مؤكّدة ثابتة عَلَيْنا وفي عهدتنا بالِغَةٌ ومنتهية في الصحّة والتأكد واللّزوم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا يجوز لنا حنثها ونقضها ، ولا يخرج عن عهدتها ؟ ! وهي إِنَّ لَكُمْ يوم القيامة لَما تَحْكُمُونَ لأنفسكم وتطلبون منّا ، فيكون علينا بهذه العهود أن نحكمكم في ذلك اليوم ، ونوافقكم فيما تأمرون ، ونعطيكم ما تتوقّعون . ثمّ لوّن سبحانه الخطاب عنهم إلى رسوله بقوله : سَلْهُمْ يا حبيبي مشافهة أَيُّهُمْ ومن يكون منهم بِذلِكَ الحكم المخالف للعقول زَعِيمٌ وضامن لاثباته بالحجّة والبرهان ؟ أَمْ لَهُمْ في ذلك الادّعاء شُرَكاءُ يشاركونهم في الدعوى ، ويساعدونهم في هذا القول ؟ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ عندك وليحضروهم في محضرك حتى يقولوا بقولهم ويصدّقوهم في دعواهم إِنْ كانُوا صادِقِينَ في دعوى أنّ لهم شركاء . قيل : إنّ المراد من شركائهم أصنامهم « 1 » ، والمعني ألهم أصنام يجعلونهم مثل المسلمين في النجاة من العذاب والدّخول في الجنّة ؟ ! حاصل مفاد الآيات - واللّه أعلم - أنّه ليس لهم دليل عقلي على التسوية بين المطيع والعاصي والمحسن والمسئ ، ولا دليل نقلي من كتاب سماوي يقرؤونه ، ولا عهد مؤكّد بالأيمان ، ولا من يوافقهم من العقلاء حتّى يقلّدوهم ، مع حكم العقل السليم على خلافه ، فظهر أنّ بطلان دعواهم أظهر من الشمس في رائعة « 2 » النهار . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 42 إلى 45 ] يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) ثمّ بيّن سبحانه سوء حالهم يوم القيامة بقوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قيل : إنّ المعنى ذكرهم يا محمد يوم الشدّة وصعوبة الخطب على الكفّار والمنافقين ، فانّ كشف الساق كناية عن الوقوع في الشدّة ، كما أنّ من وقع بين الخصوم الأقوياء وانغمر رجلاه في الوحل ، يشمّر ذيله ويرفع ثيابه عن ساقه ، كما عن ابن عباس « 3 » . وقيل : إنّ المراد من الساق أصل الأمور ، يعني يكشف عن حقائق الأمور وواقعياتها وخفيّاتها « 4 » .
--> ( 1 ) . تفسير البيضاوي 2 : 517 . ( 2 ) . في النسخة : رابعة . ( 3 ) . مجمع البيان 1 : 509 ( 4 ) . تفسير الرازي 30 : 95 .