الشيخ محمد النهاوندي

282

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ونوبتها ، وعلمت بذلك حفصة ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « اكتمي عليّ ولا تعلمي عائشة ، فقد حرّمت مارية على نفسي ، وابشّرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر امّتي » فأخبرت به عائشة ، ولم تكتم ، وكانتا متصادقتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » . وقيل : خلا بها في يوم حفصة حيث استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في زيارة أبيها في يومها ، فأذن لها ، فلمّا خرجت أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى امّ ولده مارية فأدخلها بيت حفصة ، فوقع عليها ، فلمّا رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا ، فجلست عند الباب ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي فقال : « ما يبكيك » ؟ فقالت : إنّما أذنت لي من أجل هذا ، أدخلت أمتك بيتي ثمّ وقعت عليها في يومي على فراشي ! فلو رأيت لي حقا وحرمة ما كنت تصنع هذا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أليس هي جاريتي ، أحلها اللّه لي ، اسكتي فهي حرام علي ، التمس بذلك رضاك ، فلا تخبري بذلك امرأة منهنّ » . فلمّا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قرعت حفصة الجدار بينها وبين عائشة فقالت : ألا ابشّرك أنّ رسول اللّه قد حرّم عليه أمته مارية ، وقد أراحنا اللّه منها ، وأخبرت عائشة بما رأت ، ولم تكتم ، فطلّقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بطريق الجزاء على إفشاء سرّه ، واعتزل نساءه ، ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية « 2 » . وقيل أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرا من شدّة مواجدته عليهنّ حتّى نزلت الآية ، ودخل عمر على بنته وهي تبكي ، فقال : أطلقكنّ رسول اللّه ؟ فقالت : لا أدرى ، هو ذا معتزل في هذه المشربة « 3 » - وفي رواية ، قال لها : لو كان في آل الخطّاب خير لما طلّقك - قال عمر : فأتيت النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فدخلت وسلّمت عليه ، فإذا هو متكيء على رمل حصير قد أثّر في جنبه ، فقلت : أطلقت نساءك يا رسول اللّه ؟ فقال : « لا » . فقلت : اللّه أكبر ، لو رأيتنا يا رسول اللّه وكنّا معشر قريش نغلب النساء ، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساءهم ، وطفقن نساؤنا يتعلّمن من نسائهم ، فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فنزلت الآية « 4 » . وروى بعضهم أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان كلّما دخل على زينب بنت جحش شرب العسل ، ولذا كان يكثر وقوفه عندها ، فتواطأت عائشة وحفصة ، فقالتا له : إنّا نشمّ منك ريح المغافير ، والمغفور : صمغ حلو الطعم كرية الرائحة ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يكره الرائحة الكريهة ، فحرّم العسل « 5 » . وعن القمي ، قال : كان سبب نزولها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كلّما ذهب في بيوت نسائه ، كانت مارية القبطية معه تخدمه ، وكان ذات يوم في بيت حفصة ، فذهبت حفصة في حاجة لها ، فتناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من مارية ، فعلمت حفصة بذلك ، فغضبت وأقبلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالت : يا رسول اللّه ،

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 47 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 47 . ( 3 ) . المشربة : الغرفة . ( 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 48 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 48 .