الشيخ محمد النهاوندي
28
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
مدينة من المدائن أو قرية من القرى إلّا وفيها عرق من عروقه ، وملك موكّل به ، واضع يديه على تلك العروق ، فإذا أراد اللّه بقوم هلاكا أوحى إلى ذلك الملك فحرّك عرقا ، فخسف بأهلها ، والشياطين ينطلقون إلى ذلك الزّبرجد ، فيأخذون منه ، فيبثّونه في الناس « 1 » ، ونسب ذلك القول إلى ابن عباس « 2 » . والظاهر أن حرف ( ق ) رمز من كلمة قاف التي هي اسم للجبل ، فلا يرد اعتراض الفخر الرازي أنّه لو كان اسما للجبل لكتب ( قاف ) بالألف والفاء « 3 » . ثمّ عظّم القرآن بالحلف به وتوصيفه بالعظمة بقوله : وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ والكتاب العظيم لعظم فوائده وكونه من اللّه العظيم ، وآية عظمته حيث عجز الخلق عن الإتيان بمثله . وقيل : إنّ المجيد بمعنى الكريم ، وتوصيفه بكثرة الكرم ، لأنّه لا يطلب أحد مقصودا منه إلّا وجده ، ولا يتمسّك به محتاج إلّا أغناه « 4 » . وإنّما لم يذكر قبل ( ق ) أداة القسم ، قيل : لوكالة « 5 » دخول الحرف على الحرف « 6 » . وحاصل المفاد أقسم بالجبل العظيم الذي به بقاء دنياكم ، وبالقرآن الذي به بقاء دينكم ، أنّ محمدا رسول منذر من جانب اللّه ، والعجب أنّ قريشا أنكروا رسالته مع دلالة المعجزات الباهرات على صدقه ، ولم يكتفوا بالانكار بَلْ عَجِبُوا لخبث ذاتهم وقلّة عقولهم من أَنْ جاءَهُمْ رسول مُنْذِرٌ مع كونه رجلا مِنْهُمْ يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق ، وليس من جنس الملائكة فَقالَ أولئك الْكافِرُونَ لنعم ربّهم بعضهم لبعض عنادا ولجاجا : هذا الأمر الذي يدّعيه محمد من رسالته مع كونه بشرا شَيْءٌ عَجِيبٌ يحقّ أن يتعجّب منه ، مضافا إلى أنه يقول بما لا يقبله العقلاء من أنّا نحيا بعد موتنا مرّة أخرى ، أنصفوا أيّها العقلاء أَ إِذا مِتْنا واقبرنا وَكُنَّا بعد سنين تُراباً نرجع إلى ما كنّا عليه من الحياة ؟ لا يكون ذلك أبدا ، لأنّ ذلِكَ الرجوع الذي يدّعيه محمد رَجْعٌ وردّ بَعِيدٌ عن العادة أو الإمكان والصدق ، لاختلاط أجزاء الموتى عند صيرورتهم ترابا بعضها ببعض ، وعدم تميّز أجزاء كلّ ميت عن أجزاء الآخرين ، فكيف يمكن جمعها وإعادة خلق كلّ ميت من أجزائه التي كانت له حال حياته ؟ ! [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 4 إلى 6 ] قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 )
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 101 . ( 2 ) . تفسير الجامع للقرطبي 17 : 2 . ( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 147 . ( 4 ) . تفسير الرازي 28 : 148 . ( 5 ) . كذا ، والظاهر : لركاكة . ( 6 ) . تفسير الرازي 28 : 146 فيه إشارة إلى هذا .