الشيخ محمد النهاوندي

254

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

[ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 8 ] يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) ثمّ حكى سبحانه قولهم الآخر الذي هو أشنع من قولهم الأول بقوله : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا من سفرنا هذا إِلَى الْمَدِينَةِ واللّه لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ وهم المنافقون باعتقادهم ، أو خصوص عبد اللّه بن أبي مِنْهَا الْأَذَلَّ وهم المؤمنون ، أو خصوص النبي صلّى اللّه عليه وآله . روي أنّ في غزوة بني المصطلق ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري أجير عمر بن الخطاب يقود فرسه وسنان الجهمي حليف عبد اللّه بن أبي رئيس المنافقين واقتتلا ، فصرخ جهجاه بالمهاجرين ، وسنان بالأنصار ، فاعان جهجاه جعال من فقراء المهاجرين ، ولطم سنانا ، فاشتكى إلى عبد اللّه بن أبي ، فقال للأنصار ما ذا فعلتم بأنفسكم ؟ أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو أمسكتم من جعال وذوي فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ، ولأوشكوا أن يتحوّلوا عنكم ، فلا تنفقوا عليهم حتّى ينفضّوا من حول محمّد ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ عنى بالأعزّ نفسه ، وبالأذلّ جانب المؤمنين ، أو خصوص الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، وإنّما نسب سبحانه القول إلى المنافقين لرضاهم به . فسمع ذلك زيد بن أرقم وهو حدث ، فقال : أنت واللّه الذليل القليل المبغض في قومك ، ومحمد في عزّ من الرحمن ، وقوة من المسلمين . فقال ابن أبي : اسكت ، فانّما كنت ألعب . فأخبر زيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بما قال ابن أبي ، فتغيّر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال عمر : دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق . فقال : إذا ترغم أنوفا كثيرة بيثرب . فقال عمر : فإن كرهت أن يقتله المهاجرون ، فأمر به أنصاريا . فقال : إذا تحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . وقال عليه السّلام لابن أبي : « أنت صاحب الكلام الذي بلغني » ؟ قال : واللّه الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإنّ زيدا لكاذب . فقال الحاضرون : شيخنا وكبيرنا يصدّق عليه كلام غلام ، عسى أن يكون قد وهم . فقال رسول اللّه لزيد : « لعلّك غضبت عليه » ؟ قال : لا . قال : « فلعلّك أخطاك سمعك » ؟ قال : لا . قال : « فلعلّه اشتبه عليك » قال : لا . فلمّا نزلت الآية لحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله زيدا من خلفه ، فعرك اذنه ، وقال : « وفت اذنك يا غلام ، إنّ اللّه صدّقك وكذّب المنافقين » « 1 » . وردّ عليهم بقوله : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ لا لغيرهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ذلك لجهلهم وغرورهم .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 537 .