الشيخ محمد النهاوندي
218
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
لَرَأَيْتَهُ يا محمد مع غاية صلابته وعدم تأثّره ممّا يصادفه خاشِعاً وضارعا ومنقادا و مُتَصَدِّعاً ومتشقّقا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وخوف عقوبته وعذابه ، فانّ إدراك الجمادات عظمة خالقها ومهابة ربّها وشعورها بشدّة « 1 » عذابه ممّا ثبت بالآيات كقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ « 2 » وقوله : وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 3 » وغيرهما من الآيات والروايات الكثيرة كرواية بكاء الجبل من خوف أن يكون من حجارة جهنّم « 4 » وغيرها ، فلا وجه لما قيل : من أنّ الآية من باب التمثيل والتخييل « 5 » ، والمعنى لو جعل في الجبل حياة وعقل ، كما جعل فيكم ، ثمّ أنزل عليه القرآن بمواعظه وإنذاراته لصار خاشعا ، ولم تتأثّر قلوب الكفار ، فهي أشدّ قسوة من الحجارة وَتِلْكَ الْأَمْثالُ والبيانات العجيبة نَضْرِبُها ونبيّنها لِلنَّاسِ كافة لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيها ، فيتّعظون بها . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 22 إلى 24 ] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) ثمّ لمّا كان عظمة القرآن وقوّة تأثيره منوطا بمعرفة عظمة اللّه وكمال قدرته ، شرع سبحانه في بيان صفاته الجليلة الدالة على كمال عظمته بقوله : : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولا معبود بالحقّ سواه في عالم الوجود ، وهو عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ المطّلع على المعدومات والموجودات أو على ما غاب عن الحواسّ وما يدرك بها ، أو على السرّ والعلانية ، أو على الدنيا والآخرة ، و هُوَ وحده الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قد تكرّر في السابق تفسيره : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ والسّلطان المطلق في جميع عوالم الوجود الْقُدُّوسُ والبليغ في النزاهة عن العيوب في ذاته السَّلامُ قيل : يعني السالم عن الآفات لا يطروءه « 6 » نقص في ذاته وصفاته « 7 » وقيل : يعني معطي السلامة للموجودات « 8 » . وقيل : يعني المسلّم على المؤمنين في الجنة « 9 » .
--> ( 1 ) . في النسخة : شدّة . ( 2 ) . الإسراء : 17 / 44 . ( 3 ) . البقرة : 2 / 74 . ( 4 ) . الخرائج والجرائح 1 : 169 / 259 . ( 5 ) . جوامع الجامع : 488 ، تفسير البيضاوي 2 : 483 ، تفسير أبي السعود 8 : 233 . ( 6 ) . كذا ، والظاهر : لا يطرؤ عليه . ( 7 و 8 ) . تفسير روح البيان 9 : 459 . ( 9 ) . تفسير روح البيان 9 : 459 .