الشيخ محمد النهاوندي

216

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعن ابن عباس : معناه أنّ بعضهم عدو للبعض « 1 » ، ويدلّ عليه قوله : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ومتّفقين ومؤتلفين ومتحابّين في الظاهر وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ومتفرقة لا الفة بينهم ، لأنّ لكلّ واحد منهم مذهبا غير مذهب الآخرين ، ولذا بينهم في الواقع عداوة شديدة . ذلِكَ التشتّت بين قلوبهم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ولا يدركون أنّ تشتّت القلوب يوهن قوّتهم ، وتقلّ به حظوظهم ، أو لا يعقلون شيئا حتّى يعرفوا الحقّ فيتّبعوه وتتّحد كلمتهم . اعلموا أنّ مثل هؤلاء اليهود والمنافقين وحالهم العجيبة : كَمَثَلِ الكفّار الَّذِينَ حاربوا الرسول في بدر ، أو كمثل بني قينقاع على ما قيل من أنّهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا ، فلمّا كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ، ونبذوا العهد كبني النّضير ، فأخرجهم رسول اللّه « 2 » من المدينة إلى الشام « 3 » مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً من زمانهم . قيل : قبل ستة أشهر من قضية بني النّضير « 4 » ، أو قيل : سنة « 5 » . فانّهم ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ورأوا سوء عاقبة كفرهم في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ لا يقادر قدره ، ومثل المنافقين الذين غرّروا اليهود ووعدوهم النصر ثمّ خذلوهم : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ الغويّ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ إغراء وإغواء : اكْفُرْ باللّه وبرسوله فَلَمَّا كَفَرَ الانسان بإغوائه وحلّ به العذاب في القيامة - وقيل : إنّ المراد بالانسان أبو جهل « 6 » ، ومعنى ( اكفر ) دم على كفرك ، فلمّا كفروا جاء إلى بدر ، وابتلى بالقتال - قالَ الشيطان له ، إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ومنقطع عنك إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ من أن يعذّبني بأشدّ العذاب . قيل : هذا من كذبات اللّعين « 7 » . وقيل : إنّه قال ذلك استهزاء ( 8 ) ، ولو كان صادقا لم يستمرّ على عصيان اللّه : فَكانَ مآل كفر الانسان والشيطان المغوي له و عاقِبَتَهُما في الآخرة أَنَّهُما فِي النَّارِ التي سجّرها الجبّار بغضبه حال كونهما خالِدَيْنِ ومقيمين فِيها لا خلاص لهما منها أبدا وَذلِكَ العذاب المقيم جَزاءُ الظَّالِمِينَ على أنفسهما العاصين للّه ، وكذلك كان عاقبة اليهود والمنافقين . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 18 إلى 19 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 )

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 290 . ( 2 ) . في النسخة : فأخرجوا بالرسول . ( 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 442 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 443 . ( 6 - 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 443 .