الشيخ محمد النهاوندي

211

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بقوله : الَّذِينَ لم يهاجروا اختيارا وبميل أنفسهم ، بل أُخْرِجُوا واضطرّوا إلى الهجرة من قبل الكفّار مِنْ دِيارِهِمْ ومساكنهم التي كانت لهم بمكّة وَ من أَمْوالِهِمْ حال كونهم يَبْتَغُونَ ويطلبون رزقهم الذي يكون فَضْلًا وإحسانا مِنَ اللَّهِ في الدنيا وَ يطلبون رِضْواناً منه في الآخرة وَيَنْصُرُونَ بهجرتهم اللَّهِ بإعلاء دينه وَرَسُولَهُ ببذل الأنفس في حفظه وترويج شريعته أُولئِكَ المهاجرون هُمُ الصَّادِقُونَ في دعوى الايمان بشهادة أعمالهم على ضمائرهم . في نقل استدلال بعض العامة على خلافة أبي بكر وإمامته ، وردّه قال الفخر الرازي : يعني أنّهم لمّا هجروا لذّات الدنيا ، وتحمّلوا شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم في دينهم . ثمّ قال : تمسّك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر ، فقال : هؤلاء الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر : يا خليفة رسول اللّه ، واللّه يشهد على كونهم صادقين ، فوجب أن يكونوا صادقين في قولهم : يا خليفة رسول اللّه ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب الجزم بصحّة إمامته « 1 » . أقول : هذا الاستدلال ممّا تضحك به الثكلى ، فانّ المقام قرينة على كون المراد الصدق في دعوى الايمان لا في كلّ ما يتكلّمون به ، كقوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » أي في دعوى الايمان ، لا في جميع الأمور ، مع أنّا نعلم أنّهم كانوا كاذبين في هذا الخطاب إن كان المراد أنّه استخلفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ونصبه للإمامة ، ولم يدّعه غالب أشياعه وأتباعه ، وإن كان المراد بالخليفة الجالس في مجلسه ، ولو بالغصب والقهر ، فنحن نقول بخلافته ، ولا يحتاج إلى الاستدلال بالآية ، ولا يدلّ الخطاب على إمامته من جانب اللّه ووجوب طاعته ، كما يقوله العامّة . ثمّ اعلم أنّه بناء على مذهبنا من اختصاص الفيء بالرسول والأئمة بعده ، كما ذكره اللّه في فيء بني النّضير ، لا بدّ من حمل الآية على استحباب صرفهم الفيء المختصّ بهم في المصارف المعينة . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 9 ] وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 9 ) ثمّ مدح سبحانه الأنصار بقوله : : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ دار الهجرة ، وهي المدينة وَالْإِيمانَ وتمكّنوا فيهما أشدّ التمكّن في زمان سابق على هجرة المهاجرين إليهم ، و مِنْ قَبْلِهِمْ .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 286 . ( 2 ) . الحجرات : 49 / 17 .