الشيخ محمد النهاوندي

21

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ 13 ] ثمّ لمّا كان الاستهزاء بالغير ولمزه ونبزه واغتيابه لتحقيره والتفاخر عليه ، بيّن سبحانه أنّه لا تفاوت بين الناس في الشرف والرفعة إلّا من حيث الايمان والتقوى الذي أمر به بقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ وأولدناكم مِنْ ذَكَرٍ وهو آدم وَأُنْثى وهي حوّاء ، فليس لأحد أن يفتخر على أحد بالنسب ؛ لأنّ جميعكم أبناء رجل وأب واحد ، وامرأة وامّ واحدة . وقيل : إنّ المراد من الذّكر الأب المتّصل ، ومن الأنثى الامّ المتصلة ، والمقصود أنّ كلّكم في الخلق سيّان ، ومن جنس واحد ، حيث إنّ كلّ واحد منكم ولدكما ولد غيره ، وخالقه خالق غيره ، فلا مزيّة لأحد على أحد في أصله « 1 » . وَجَعَلْناكُمْ وصيّرناكم شُعُوباً وجماعات عظماء منتسبين إلى أب واحد وَقَبائِلَ وطوائف منشعبة من كلّ شعب . قيل : إنّ الشعوب جماعات لا يدري من يجمعهم كالعجم ، والقبائل جماعات منتسبون إلى أب واحد معلوم كالعرب « 2 » . وعن الصادق عليه السّلام : « الشعوب العجم ، والقبائل العرب » « 3 » . وقيل : إنّ الشعوب داخلة في القبائل ، فانّ القبيلة تحتها شعوب ، والشعوب تحتها بطون « 4 » . وإنّما كان ذلك الجعل لِتَعارَفُوا ويعرف بعضكم بعضا بحسب الأنساب ، لا لتفاخروا بالآباء والقبائل ، وتدّعون الشرف والتفاضل . وقيل : لا لتناكروا بالسّخرية واللّمز والنّبز والغيبة ، فانّ كلّ واحد منها يؤدّي إلى التناكر « 5 » . في فضيلة التقوى وقيل : إنّ المعنى إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى لتعبدوا ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا « 6 » . واعلموا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ واعلاكم شأنا عِنْدَ اللَّهِ وفي نظره أَتْقاكُمْ وأعلمكم بطاعته ، وإن كان عبدا حبشيا . روي أنّها نزلت حين أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله بلالا بعد فتح مكّة ليؤذّن ، فعلا ظهر الكعبة . فاذّن ، فقال عتّاب بن أسيد ، وكان من الطّلقاء : الحمد للّه الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم ، ولم يسمع هذا الصوت .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 28 / 137 ، تفسير روح البيان 9 / 90 . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 138 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 322 ، وتفسير الصافي 5 : 54 ، ولم ينسباه إلى أحد . ( 4 ) . تفسير الرازي 28 : 138 . ( 5 ) . تفسير الرازي 28 : 138 . ( 6 ) . تفسير الرازي 28 / 138 .