الشيخ محمد النهاوندي
19
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
لحم الأخ الميت لا يؤلمه أيضا ، مع أنّه في غاية القبح « 1 » ، لكونه في غاية البعد عن رعاية حقّ الأخوة « 2 » . وفي الآية والروايات دلالة واضحة على كونها من الكبائر ، ولذا أكّد سبحانه حرمتها بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ واحذروا عقابه في ارتكابها . ثمّ حثّ سبحانه على التوبة منها بقوله : إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ سريع القبول لتوبة التائبين ممّا فرط منهم رَحِيمٌ بمن اتقّى ما نهى عنه ، ومتفضّل عليه بالثواب . روى بعض العامة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا عزا أو سافر ، ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدّمهما إلى المنزل ، فيهييء لهما طعامهما وشرابهما ، فضّم سلمان إلى رجلين في بعض أسفاره ، فتقدّم سلمان إلى المنزل ، فغلبته عيناه ، فلم يهيّىء لهما شيئا ، فلمّا قدما قالا له : ما صنعت شيئا ؟ قال : لا ، غلبتني عيناي . قالا له : انطلق إلى رسول اللّه واسأله طعاما . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « انطلق إلى أسامة بن زيد ، وقل له إن كان عنده فضل من الطعام فليعطك » وكان اسامة خازن رسول اللّه على رحله وطعامه ، فأتاه فقال له اسامة : ما عندي شيء ، فرجع سلمان إلى الرجلين فأخبرهما ، فقالا : كان عند اسامة شيء ، ولكن بخل به ، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة ، فلم يجد عندهم شيئا ، فلمّا رجع قالوا : لو بعثناه إلى بئر سميحة « 3 » لغار ماؤها ثمّ انطلقا إلى اسامة يتجسّسان هل عنده ما أمر لهما به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من الطعام ، فلمّا جاءا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال لهما : « ما لي أرى خرة اللحم في أفواهكما ؟ » قالوا : واللّه يا رسول اللّه ، ما تناولنا يومنا هذا لحما ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله : « ظللتما تأكلان لحم اسامة وسلمان » فأنزل اللّه الآية « 4 » . وقد عيّن الرجلين في رواية ( الجوامع ) فانّه روى أنّ أبا بكر وعمر بعثا سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليأتي لهما بطعام ، فبعثه إلى أسامة بن زيد ، وكان خازن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على رحله ، فقال : ما عندي فعاد إليهما فقالا : بخل اسامة ، ولو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثمّ انطلقا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال لهما : « ما لي أرى خضرة اللّحم في أفواهكما » قالا : يا رسول اللّه ، ما تناولنا اليوم لحما . قال : « ظللتم تفكّهون لحم سلمان واسامة » فنزلت « 5 » . وعن أنس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال : هم الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في
--> ( 1 ) . في النسخة : الفتح . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 / 135 . ( 3 ) . سميحة : بئر بالمدينة غزيرة الماء . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 88 . ( 5 ) . جوامع الجامع : 459 ، تفسير الصافي 5 : 54 .