الشيخ محمد النهاوندي

179

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ينفقونها على الفقراء ، وفي سبيل اللّه ، لحبّهم لها ، ولعزّتها عندهم ، ثمّ لا يقنعون ببخلهم ، بل يبعثون وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بأموالهم وإمساكها وعدم صرفها في وجوه الخير ، وهذا غاية الذمّ وَمَنْ يَتَوَلَّ ويعرض عن الإنفاق ، أو عن إطاعة أوامر اللّه ونواهيه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن إنفاقهم وطاعتهم لا يضرّه بخلهم وعصيانهم ، ولا ينفعه إنفاقهم وشكرهم وطاعتهم الْحَمِيدُ في ذاته ، المحمود في فعاله التي منها فتح أبواب نعمه على البخلاء ، لأنّ فيه نظام العالم ، وامتحان الخلق ، ووبال بخلهم عائد إليهم . ثمّ لمّا كان نظام العالم بالعلم والقواعد المقرّرة لحفظ النظام وقيام العدل وقوّة دفاع الظالمين ، بيّن سبحانه إتمام نعمه على الناس حثّا لهم على طاعته بقوله : لَقَدْ أَرْسَلْنا إليكم أيّها الناس رُسُلَنا في كلّ عصر وقرن ، مستدلّين على رسالتهم من قبلنا بِالْبَيِّناتِ والمعجزات الظاهرات ، والحجج الباهرات ، لئلا يشكّ أحد في صدق دعواهم الرسالة وَأَنْزَلْنا إتماما للّطف مَعَهُمُ الْكِتابَ السماوي الذي فيه بيان كلّما يحتاجون إليه من العلوم المربوطة بمعاشهم ومعادهم . عن الصادق عليه السّلام : « الكتاب الاسم الأكبر الذي يعلم به علم كلّ شيء الذي كان مع الأنبياء . . . » الخبر « 1 » . وَالْمِيزانَ وما يعيّن به الحقوق . روي أنّ جبرئيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح ، وقال : مر قومك يزنوا به « 2 » . وقيل : إنّ المراد بالميزان العدل والانصاف « 3 » . القمي ، قال : الميزان الامام « 4 » . لِيَقُومَ النَّاسُ في معاملاتهم وحقوقهم بِالْقِسْطِ والعدل ، ولا يظلم أحدا في إيفاء حقوقهم واستيفائها ، كما أنّه تعالى قائم في عباده بالقسط والعدل ، فوفاهم حقوقهم بلا حيف وَأَنْزَلْنا من السماء الْحَدِيدَ عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « يعني السلاح » « 5 » الذي فِيهِ بَأْسٌ وعذاب شَدِيدٌ على من لم يعمل بالكتاب وأخسر الميزان . وقيل : يعني قوّة شديدة عليهم ، فان آلات الحرب كلّها من حديد « 6 » . عن ابن عمر : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « إنّ اللّه تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض ؛ أنزل الحديد ، والنار ، [ والماء ] ، والملح » « 7 » .

--> ( 1 ) . الكافي 1 : 232 / 3 ، تفسير الصافي 5 : 138 . ( 2 ) . جوامع الجامع : 482 ، تفسير الصافي 5 : 139 ، تفسير الرازي 9 : 241 ، تفسير أبي السعود 8 : 212 . ( 3 ) . تفسير جوامع الجامع : 482 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 274 و 352 ، تفسير الصافي 5 : 139 . ( 5 ) . التوحيد : 266 ، تفسير الصافي 5 : 139 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 9 : 380 . ( 7 ) . مجمع البيان 9 : 363 ، تفسير الرازي 29 : 242 ، تفسير الصافي 5 : 139 ، وتفسير روح البيان 9 : 380 ، ولم ينسباه إلى أحد من الرواة .