الشيخ محمد النهاوندي
169
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وبصير ، فيجازيكم بحسبه . روي أنّ جماعة من الصحابة أنفقوا نفقات كثيرة حتّى قال ناس : هؤلاء أعظم أجرا من كلّ من أنفق قديما ، فنزلت الآية « 1 » ، وبيّن سبحانه أنّ النفقة قبل فتح مكة أعظم أجرا . روى الفخر الرازي عن الكلبي أنّه قال : نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر ؛ لأنّه أول من أنفق المال على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في سبيل اللّه . قال عمر : كنت قاعدا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعنده أبو بكر ، وعليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال ، فنزل جبرئيل فقال : مالي أرى أبا بكر عليه عباءة خلّلها في صدره ، فقال : أنفق ماله عليّ قبل الفتح « 2 » ، . . . انتهى . في نقد كلام بعض العامة في فضيلة أبي بكر وردّه أقول : ليث شعري من أين علم الكلبي أنّ أبا بكر أول من أنفق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع أنّه لم يعلم له مال ، بل علم فقره ، فانّه كان معلم أطفال ، وكان أبوه من فقراء مكّة ، بل المعلوم أنّ أول من أنفق ماله على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خديجة ثم أبو طالب . وقول عمر - على فرض صدقه - لا يدلّ على نزول الآية في فضل خصوص أبي بكر ، بل يدلّ على أنّ أبا بكر كان من المنفقين من قبل الفتح ، ومن المعلوم أنّ المنفقين قبل الفتح كثير من الصحابة ، وليس في الرواية أنّ الآية نزلت حين قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّه أنفق قبل الفتح . وأعجب من ذلك أنّ الفخر حكى عن الواحدي أنّه قال : إنّ أبا بكر كان أوّل من قاتل على الاسلام ، وذلك لأنّ عليا في أول ظهور الاسلام كان صبيا صغيرا ، ولم يكن صاحب قتال ، وأما أبو بكر فإنّه كان شيخا مقدّما ، وكان يذبّ عن الاسلام حتى ضرب بسببه ضربا أشرف [ به ] على الموت « 3 » . . . انتهى . فإنّه حين كان عليّ عليه السّلام صبيا لم يكن قتال ، ولم يكن ذبّ أبي بكر - على تقدير التسليم - إلّا باللسان ، وضربه حتى أشرف على الموت لا يدلّ على قتاله ، بل يدلّ على ضعفه وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه ، فضلا عن القتال ، كما أن قتل والد عمار لا يدلّ على قتاله . وأعجب العجائب أنّهم يتمسّكون بهذه الترّهات على فضيلة أبي بكر ، ويغمضون على الروايات المتواترة الدالة على أفضلية أمير المؤمنين عليه السّلام على جميع الصحابة بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله ، ويؤولون الروايات الناصّة على خلافته وإمامته . ثمّ اعلم أنّ تقديم ذكر من أنفق قبل الفتح على من قاتل لا يدلّ على تقدّم صاحب الانفاق على صاحب القتال ، كما ادّعاه الفخر الرازي ؛ لأنّ الكلام في الحثّ على الانفاق ، وإنّما ذكر صاحب القتال
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 356 . ( 2 ) . تفسير الرازي 29 : 219 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 219 .