الشيخ محمد النهاوندي
166
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَالْأَرْضِ تمهيدا لإثبات المعاد بقوله : وَإِلَى اللَّهِ القادر على كلّ شيء تُرْجَعُ وتردّ الْأُمُورُ كلّها من الأعمال الصالحة والطالحة ، فيجازيكم عليها ، فاستعدّوا للقائه باختيار الأعمال الصالحة وأحسنها عنده . ثمّ استدلّ سبحانه على إعادة الخلق بإعادة كلّ من الليل والنهار إلى ما كانا عليه بعد إذهاب جزء من الليل وجعله من النهار وبالعكس بقوله : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ بجعل ساعات منه جزءا من النهار حتى يصير خمس عشرة ساعة وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ بجعل ساعات منه جزءا من الليل حتى يصير خمس عشرة ساعة ، ويعود كلّ منها إلى ما كان عليه قبل الادخال ، فمن كان قادرا على إذهاب ساعات من الليل حتّى يصير تسع ساعات ، ثمّ إعادة تلك الساعات الذاهبة حتّى يصير الليل مثل ما كان قبل وبالعكس ، قادر على إعادة خلق الانسان بعد صيرورته ترابا . ثمّ بعد إحاطته سبحانه بالأعمال الجوارحية ، بيّن إحاطته بالأعمال الجوانحية بقوله : وَهُوَ عَلِيمٌ ومحيط غاية الإحاطة بِذاتِ الصُّدُورِ والمخفيّات في القلوب من العقائد الفاسدة ، والنيات السيئة ، والمكنونات القبيحة . عن ابن عباس : اسم اللّه الأعظم في ستّ من أول سورة الحديد ، فإذا علّقت على المقاتل في الصفّ لم ينفذ إليه حديد « 1 » . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 7 إلى 8 ] آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) ثمّ لمّا بيّن سبحانه دلائل توحيده وقدرته وعلمه ، وكونه مبدأ للخلق ومعادهم ، دعاهم إلى الايمان به وبرسوله بقوله : آمِنُوا أيّها الناس بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عن صميم القلب ثمّ دعاهم إلى أهمّ الأعمال بقوله تعالى : وَأَنْفِقُوا في سبيل اللّه مِمَّا أعطاكم اللّه من فضله ، و جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ ونائبين عنه في التصرّف فِيهِ من غير أن تملكوه حقيقة ، فلا ينبغي أن يشقّ عليكم إنفاق ما هو في أيديكم بعنوان النيابة والوكالة عن مالكه الحقيقي ، كما لا يشقّ على أحد إنفاق مال الغير إذا أذن له فيه ، أو المراد جعلكم مستخلفين ممّن كان قبلكم ، حيث إنّ ما بأيديكم من الأموال كان لغيركم زمانا ، ثمّ انتقل إليكم بالإرث وغيره ، فإذا بخلتم به ينتقل منكم إلى غيركم ، كما انتقل من غيركم إليكم ، فلا يبقى
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 353 .